يغادرون عند أول انكسار

30 مشاهدة

ليس ثمة ما يكشف معادن العلاقات مثل اللحظات التي يختل فيها توازن المرء، حين يثقل صوته بالتعب، ويضيق صدره بما لا يجد له اسماً، وتغدو روحه أقل لمعاناً مما اعتاده الآخرون. في تلك المسافة الهشة بين القوة والوهن، يظهر الصديق لا كما نحب أن نراه، بل كما هو فعلًا، بلا مساحيق ولا مجاملات. بعضهم يتراجع خطوة إلى الخلف، لا بدافع الحذر، وإنما خوفًا من العدوى، كأن الوجع مرض مُعدٍ، وكأن القرب مسؤولية ثقيلة لا طاقة لهم بها.

العلاقة التي لا تحتمل التصدّع الأول ليست علاقة، بقدر ما هي استعراض مؤقت، أو حلف هش يقوم على صورة جميلة وليس على جوهر متين. هناك من يطلبك ضاحكًا، حاضر الذهن، خفيف الظل، ناجحًا، مطمئنًا، فإذا تغيّر إيقاعك، أو تعثّرت خطواتك، أو خفت بريقك قليلًا، بدأ يشعر بالضجر، ثم يبدأ باتخاذ مسافة، ثم يغيب بأعذار مهذبة لا تخفي حقيقتها. هؤلاء لا يصادقون المرء، بل يصادقون نسخته المريحة لهم، النسخة التي لا تُتعبهم بأسئلة ولا تُحرجهم بصدق ولا تضعهم أمام واجب إنساني بسيط اسمه البقاء.

المرء في ضعفه لا يطلب حلولًا كبرى، ولا خطبًا تحفيزية، ولا فلسفات جاهزة، بل يطلب حضورًا هادئًا، وأذنًا لا تحاكم، وكتفًا لا يضيق بالميلان عليه.

الصديق الحقيقي لا يُصلحك، ولا يعيد تشكيلك، ولا يقيسك بمعايير النجاح السريع، بل يراك كاملًا حتى وأنت منكسر، ويعرف أن الانكسار ليس عيبًا أخلاقيًا، بل حالة بشرية عابرة، وأن القوة التي لا تمرّ بالهشاشة قوة مشكوك في صدقها.

كثيرون يخلطون بين الصداقة والراحة، فيظنون أن الصديق الجيد هو الذي لا يزعجهم، ولا يحمّلهم ثقل المشاعر، ولا يربك إيقاع أيامهم. والحقيقة أن الصداقة، في جوهرها، مساحة آمنة للارتباك، وملاذ للاعتراف، ومكان يسمح للمرء أن يكون أقل كمالًا دون أن يُقصى أو يُدان. فمن لا يحتمل رؤية ضعفك، لن يحتمل مسؤولية مشاركتك الفرح لاحقًا، لأنه لم يشاركك الطريق أصلًا، بل كان يقف عند محطاته المضيئة فقط.

والأخطر من الغياب الصريح، ذلك الغياب المموّه بالتهذيب، حيث يبقى الاسم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح