سام برس حين يغادر التاريخ مركزه الغربي العالم على أعتاب عصر ما بعد الهيمنة

38 مشاهدة

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
قراءة أنثروبولوجية في أفول المركزية الغربية وصعود التعددية الحضارية وإعادة تشكيل النظام العالمي
لم يحدث في التاريخ أن توقف العالم عن الدوران حول مركزه المتخيَّل إلا بعد أن يكتشف، متأخراً، أن ذلك المركز لم يكن سوى سردية مؤقتة فرضتها موازين القوة. فالإمبراطوريات، منذ فجر الحضارات، لم تكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعت دائماً إلى احتلال المخيلة الإنسانية ذاتها، كي يبدو حضورها قدراً أزلياً لا مرحلة عابرة في مسار التاريخ. هكذا اعتقد الرومان أن روما هي العالم، وظن الصينيون أن الإمبراطورية الوسطى هي مركز الكون، ثم جاءت أوروبا الحديثة لتنسج حول نفسها أسطورة المركز الكوني الجديد، قبل أن تتسلم الولايات المتحدة الراية عقب الحرب العالمية الثانية، فتتشكل منظومة دولية بدا معها الغرب ليس مجرد قوة مهيمنة، بل مرجعاً وحيداً لتعريف التقدم، والحداثة، والتنمية، والعقلانية.
غير أن التاريخ، في جوهره الأنثروبولوجي العميق، لا يعترف بالمراكز الثابتة. فالمجتمعات البشرية تشبه الأنهار أكثر مما تشبه الصخور؛ تبدو مستقرة على السطح، بينما تتحرك في الأعماق باستمرار. وما نشهده اليوم ليس مجرد انتقال في الثقل الاقتصادي أو العسكري من الغرب إلى الشرق، ولا مجرد صعود قوى جديدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا ودول الخليج، بل تحوّل أعمق وأبعد أثراً: إنه إعادة توزيع للمعنى نفسه، وإعادة تفاوض كبرى على من يملك الحق في تفسير العالم وتحديد مستقبله.
إن العالم المعاصر يعيش لحظة نادرة من لحظات تفكك المركز. فالشعوب التي أمضت قروناً طويلة وهي تتلقى الأفكار والنماذج والتصورات القادمة من العواصم الغربية بدأت تستعيد ثقتها بسردياتها الخاصة، وذاكرتها الثقافية الخاصة، وطرقها المختلفة في رؤية الإنسان والمجتمع والدولة. وما يبدو في الظاهر صراعاً جيوسياسياً بين قوى دولية متنافسة، ليس في جوهره سوى صراع بين رؤى متباينة للحياة ذاتها. فالصين لا تقدّم نفسها بوصفها وريثة الغرب، بل بوصفها امتداداً لحضارة عمرها آلاف السنين. والهند لا تصعد كدولة قومية فحسب، بل كفضاء حضاري ضخم يستعيد حضوره التاريخي. أما العالم العربي والإسلامي، رغم أزماته العديدة، فيعيش بدوره مخاضاً

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح