يعود من الموت إلى بار إيطالي
في هذه الليلة، أكتب في مقهى صغير في مدينة إيطالية صغيرة. الناس من حولي يتحدّثون لغاتٍ لا أفهمها، على يساري يبيع النادل كؤوس الخمور، وعلى الطاولة أمامي، يقبّل عاشقٌ حبيبته للمرّة العاشرة، تفوح منهما رائحة التبغ والڤانيلا.
كان على الطاولة مقعدان غير الذي أجلس عليه الآن، وضعت حقيبتي ومعطفي على واحد منهما، وآخر أخذته حبيبة لتجلس مع حبيبها، بعد سمحت لها بأن تأخده لتقضي وقتاً مُمتعاً معه، يا للروعة.
على الطاولة المجاورة، تضحك امرأة شقراء وهي تلعب الكوتشينة مع رفيقاتها. كلّما تنتهي جولة تشرب من كأس البيرة أمامها رشفةً واحدة.
في منتصف كتابتي لهذا النصّ، فاجأت امرأةٌ حبيبها بعيد ميلاده، غنّت له أغنية، وأهدته قطعة كيك صغيرة، بينما على طاولة أخرى يفرد شاب أحجار الشطرنج ليتحدّى زميله.
الفرص الجميلة في الحياة قائمة في مجملها، ولا تريد سوى أن نصدّقها
الساعة الآن السابعة وعشر دقائق. مباشرةً جئت إلى هنا، بعد أن أنهيت دراستي للاقتصاد في المكتبة، كانت تجلس بجانبي طالبة إيطالية، وعلى الطرف الآخر رجل من الهند.
أنا هنا، أكتب في المقهى، وجدت في آخر مقعدٍ عاشقين آخرين يعانقان بعضهما، يبدوان مثل عصفورين مجروحين، لقد فتح هذا العناق جراح أحدهما.
رجل البار يبيع كوكاكولا، وبجانب ثلاجة المشروبات والخمور، وضع جملة معناها الحرية لفلسطين، هكذا فعل ما بوسعه.
تدخل الآن صبية بشعر لونه أزرق فاقع، شعرها جميل وحر، شربت الخمر مع صديقتها الآسيوية. دلالة جسديهما تقول إنّ الأولى تشكو للأخرى تجربةً قاسية عاشتها مؤخّراً.
أنهيت قطعة الكيك التي طلبتها، وكوب هوت شوكليت، كسته رسومات لو أنّ عرافة من البلاد قد رأتها، لقرأتها بأكثر التنبّؤات تشاؤماً، عكس ما أراه الآن. ابحثوا عن عرافة سعيدة.
جدران المقهى مليئة بالرسومات، إحداها تُظهر رجلاً وحيداً يحمل جريدة، وأخرى لوحة لحقل كبير ووفير. أشعر أنّها نوافذ حقيقية. إنّ الفرص الجميلة في مجملها قائمة، لا تريد سوى أن نصدّقها، وأتخيّل لو كانت هذه اللوحات نوافذ حقيقية لعالم جيد وخفي، وأننا تخلّفنا عن تصديق ذلك، كم سيكون ذلك مُحزناً.
ارسال الخبر الى: