ماذا يعني أن تكون الكردية لغة وطنية في سورية

54 مشاهدة
مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 منتصف الشهر الجاري في سورية الذي اعترف باللغة الكردية لغة وطنية تعاملت بعض المؤسسات المعنية معه بوصفه تكليفا عمليا وليس مجرد إعلان نيات وهو ما ظهر في تعليمات تنفيذية أصدرتها وزارة التربية والتعليم أول أمس لتطبيق المرسوم حيث كلفت الوزارة المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل خلال ستة أشهر لضمان اعتمادها قبل بدء العام الدراسي المقبل هذه النقلة على أهميتها لا تنهي النقاش المستمر حول القضية منذ عقود بل تعيد طرحها من زاوية السؤال عن استجابة الدولة وإداراتها لإحياء لغة حوصرت طويلا خارج المجال العام وكذلك التفكير في الإرث التاريخي الذي جعل الكردية أصلا موضوعا للريبة والخوف لدى السلطة nbsp أسئلة مؤجلة مع اندلاع الثورة السورية انفجرت كل الأسئلة المؤجلة الكرد مثل غيرهم من السوريين وجدوا أنفسهم أمام دولة تتفكك وتنسحب أمام مسؤولياتها وفراغ يملأ بالقوة الثقافة الكردية هنا دخلت مرحلة جديدة من الالتباس من جهة تحررت جزئيا من المنع الرسمي وظهرت مدارس ومراكز ومنابر ثقافية واجتماعية ومن جهة أخرى خضعت هذه الثقافة أحيانا لمنطق الحزب الواحد ولأدلجة جديدة جعلت اللغة مرة أخرى أداة تعبئة لا فضاء حرا للتعبير ومع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية قسد على مناطق واسعة في شمال وشرق سورية ظهرت الحاجة إلى توحيد المعايير اللغوية وهو ما دفع مؤسسة اللغة الكردية التابعة للإدارة الذاتية إلى إعداد مرجع Rêzimana Kurmancî لتوحيد قواعد الكتابة الكردية الكرمانجية الشمالية وفقا للمعايير اللغوية والقواميس المعاصرة من ستة أجزاء علم الأصوات علم الصرف النحو علم الدلالة الإملاء علامات الترقيم هذا المشروع لم يكن مجرد خطوة تعليمية بل إعادة بناء للغة في سياق سلطوي جديد أي أن هذه اللهجة التي جرى اعتمادها أصبحت معيارا للتعليم والمؤسسات الرسمية فيما بقيت اللهجات الأخرى أقل حضورا خلال هذه الفترة ظهرت أيضا محاولات لتثبيت اللغة في المناهج وإنشاء مراكز تعليمية وبحثية لكنها لم تخل من الجدل حول أي لهجة يجب اعتمادها وأي معيار لغوي يصبح المرجع الرسمي جذور القضية قبل وصول حزب البعث إلى الحكم لم تعرف سورية ما يمكن تسميته سياسة دولة موجهة لقمع اللغة الكردية أو محو الثقافة الكردية حيث قامت الدولة السورية الحديثة على تصور أحادي للهوية الوطنية جعل العربية لغة الدولة الوحيدة في الإدارة والتعليم والمجال العام من دون أن يرافق ذلك مشروع خاص لاستهداف اللغات الأخرى على غرار الدول القومية الناشئة في المنطقة بعد الاستقلال في تلك المرحلة لم تكن هناك مسألة كردية متبلورة بوصفها حالة قومية جامعة فالكرد كانوا منخرطين في الأحزاب السياسية السورية قومية ويسارية ولم يكن هناك آنذاك وعي جمعي كردي منظم يطالب بحقوق قومية أو لغوية واضحة بل كان ثمة وعي نخبة تحاول إحياء الثقافة الخاصة هذا لا يعني غياب التهميش لكنه تهميش ناتج عن نموذج الدولة الأحادية اللغة يقر المرسوم الرئاسي الأخير باللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية لم تعامل اللغة الكردية جسما زائدا داخل الوطن ولا جرى توصيف الكرد رسميا خطرا قوميا قائما بذاته بل أدرجت اللغة مثل غيرها من أشكال التعبير المستقلة ضمن حقل الريبة العامة العربية نفسها رغم كونها لغة الدولة لم تكن فضاء حرا بل خضعت لتقنين أيديولوجي صارم فيما كانت اللغات غير العربية أكثر عرضة للتهميش بحكم غياب أي اعتراف قانوني أو حماية مؤسساتية لها غير أن أثر هذه السياسة كان بالغا إذ نقلت اللغة الكردية من حيزها الاجتماعي الطبيعي إلى حيز أمني مؤدلج فصار تداولها مشوبا بالخوف وأجبرت الثقافة الكردية على التشكل في شروط دفاعية لا بوصفها ممارسة يومية عادية داخل المجتمع وحين تمنع اللغة من المجال العام وتحاصر المؤسسات الثقافية وتجرم المبادرات المستقلة فإن ما يبقى هو ثقافة شفوية أو ثقافة سرية أو ثقافة مشحونة بالسياسة أكثر مما تحتمل هذا الواقع أضعف إمكانية تشكل حياة ثقافية كردية طبيعية نقدية ومتنوعة الأدب والمسرح والبحث الأكاديمي والتعليم النظامي باللغة الكردية كلها بقيت خارج الفضاء الشرعي وفي المقابل تشكل خطاب ثقافي كردي مشدود دائما إلى فكرة البقاء والهوية المهددة ما جعل السياسة تطغى أحيانا على الجماليات وعلى الأسئلة الداخلية للثقافة نفسها يقر المرسوم الرئاسي الأخير باللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية وهذا التمييز يعني الإقرار بأن الكرد جزء أصيل من النسيج السوري وأن لغتهم ليست لغة أجنبية أو طارئة بل لغة من لغات البلاد ولكن عدم تحويلها إلى لغة رسمية يفتح نقاشا أوسع حول معنى الرسمية وحدودها ووصف لغة ما بأنها وطنية هو أعلى مرتبة من ناحية الهوية والانتماء من وصفها رسمية ذلك أن تسميتها وطنية يوحي بأنها جزء من الهوية الوطنية وأصيلة بينما يمكن للغة أجنبية أن تكون رسمية أي معتمدة قانونيا لمعاملات الدولة كحال الفرنسية في بعض البلدان التي كانت سابقا مستعمرات فرنسية ولديها لغاتها الوطنية ــ الرسمية في آن في المقابل قد تكون اللغة الوطنية غير مسماة رسمية في حين أن الاستخدام يكون إجباريا عندما تكون صفتها رسمية أي أن المرتبة القانونية للرسمية أعلى من الوطنية nbsp إعادة التفكير في سورية دولة متعددة لا تخاف من تنوعها المرسوم مهما كانت دوافعه السياسية يكسر الإرث البعثي ويعترف بخطأ تاريخي لكنه يبقى خطوة رمزية ما لم يترجم إلى سياسات تعليمية وثقافية حقيقية تتيح للغة الكردية أن تدرس وتبحث وتنتج خارج منطق الاستثناء المشكلة الأساسية في تناول الثقافة الكردية في سورية أنها غالبا ما تختزل في سؤال الهوية من نحن ماذا نطالب ما حقوقنا وهي أسئلة مشروعة لكنها ليست كافية الثقافة في معناها العميق ليست فقط هوية بل إنتاج معرفة وخيال ونقد ذاتي خارج الحسابات الضيقة التحدي اليوم لا يقتصر على انتزاع الاعتراف بل على بناء ثقافة كردية سورية قادرة على مساءلة ذاتها وعلى الانفتاح على محيطها وعلى التحرر من ثنائية الضحية والخصم ثقافة لا تعرف نفسها فقط في مواجهة العروبة أو الدولة بل في علاقتها بالإنسان وبالحداثة وبالسؤال الديمقراطي الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف إذا جرى التعامل معه خارج الحسابات الضيقة هذا المسار يفترض إعادة التفكير في مفهوم المواطنة نفسه وفي معنى أن تكون سورية دولة متعددة لا تخاف من تنوعها الثقافة الكردية ليست عبئا على الهوية الوطنية السورية بل اختبار لها إما أن تكون هذه الهوية قادرة على استيعاب الاختلاف أو أن تعود إلى منطق القمع ولو بأدوات جديدة وفي الحالتين يبقى السؤال مفتوحا هل يريد السوريون ثقافة تعيش في الظل أم ثقافة تشارك في صياغة المستقبل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح