حين يصبح النظام هو الدولة إيران نموذجا
تطرح تجارب دولٍ معاصرة سؤالاً محورياً: متى يتحوّل النظام الحاكم إلى مرادف كامل للدولة؟ ومتى يصبح سقوط السلطة تهديداً وجودياً لكيان الدولة في وعي الشعب ومؤسساته؟ تبدو تجربتا سورية وإيران مثالين بارزين على هذه الظاهرة، في مقابل تجارب أخرى سلكت مسارات مختلفة، مثل فنزويلا ومصر وتونس.
فما الذي جعل قيادة فنزويلا وشعبها يخضعان، إلى حدّ بعيد، لمحاولات الضغط الخارجي، بينما ترفض إيران خضوعاً مماثلاً رغم الضربات القاسية التي تعرّضت لها منظومتها الحاكمة، بما في ذلك استهداف قيادات الصفين الأول والثاني في مراحل مبكرة من المواجهة؟
يمكن اختزال الإجابة في عاملين رئيسيين:
أولاً: العامل العقائدي والشرعية الشعبية
لا يقتصر العامل العقائدي على البعد الديني فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة رمزية وروحية تمنح النظام شرعية معنوية لدى شريحة واسعة من المجتمع. وعندما تتوافر هذه الشرعية، ويكون عدد المؤمنين بها كافياً، يصبح إسقاط النظام عبر استهداف قيادته أمراً بالغ الصعوبة؛ إذ يبقى الولاء للفكرة راسخاً، وتنتقل القيادة بسلاسة إلى بدائل أخرى عند غياب الصف الأول. هنا، تحكم الفكرة أكثر مما يحكم الأشخاص.
ثانياً: مستوى الفساد وولاء المؤسسات
عندما يبلغ الفساد مستويات مرتفعة، يصبح المجتمع أكثر استعداداً للانقلاب على السلطة عند أول اهتزاز. وقد ظهر ذلك بوضوح في تجربتي مصر وتونس، حيث أسهم الفساد في تعبئة الشارع ضد القيادة، وكان رفع الغطاء الدولي عاملاً حاسماً في تسريع سقوط رأس النظام، دون أن يعني ذلك انهيار الدولة، بل إعادة إنتاجها بشكل مختلف.
في الحالة الإيرانية، يمكن القول إن سياسات الضغط الأقصى خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، لا سيما الانسحاب من الاتفاق النووي، أسهمت – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعزيز التوجّه العسكري. فقد أدى الضغط الاقتصادي إلى إعادة توجيه الموارد نحو تطوير منظومة الصواريخ والقدرات النووية، بدلاً من الاستثمار الداخلي، ما عزّز خطاب الحصار الخارجي ووحّد جزءاً مهمّاً من المجتمع حول السلطة.
كما لعبت العلاقات الاقتصادية القائمة على المقايضة النفطية مع الصين دوراً في تقليل السيولة النقدية داخل الاقتصاد، الأمر الذي حدّ نسبياً
ارسال الخبر الى: