وقع الاختيار على الدبلوماسي المصري المخضرم ووزير الخارجية الأسبق نبيل فهمي لشغل منصب أمين عام جامعة الدول العربية سنوات خمس مقبلة وهو اختيار صادف أهله ويستجيب لتحديات المرحلة الراهنة لأن نبيل فهمي يتمتع بمزايا شخصية عديدة وبخبرة مهنية واسعة وكلاهما يؤهلانه إلى شغل منصب على هذا القدر من الأهمية والحساسية وهو اختيار يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة التي عجزت الجامعة عن مواجهتها ما حولها إلى مؤسسة إقليمية متهالكة تحتاج إلى عملية إنقاذ كبرى وإلا انهار النظام العربي من أساسه يتمتع نبيل فهمي بشخصية تجمع بين ثقة بالنفس واعتزاز بالكرامة من ناحية وقدرة على التعامل الذكي مع الآخرين من ناحية أخرى فهو ليس صداميا يتوق إلى إثارة المشكلات من دون ضرورة وليس خنوعا يحرص على استرضاء الجميع ولو على حساب فاعلية المؤسسة التي يقودها ولأنه يعرف كيف يختار كلماته ولا يهتم بالجري وراء الأضواء أو يسعى لكي يتملقه الآخرون يتوقع منه أن يتحلى دوما بما يكفي من الشجاعة لقول كلمة الحق خصوصا حين تكون مطلوبة ومفيدة وأن يسخر جهده ووقته لكل ما هو مثمر وضروري لتحقيق الصالح العام وعدم اللهاث وراء منافع شخصية وعلى المستوى المهني يتمتع نبيل فهمي بشخصية تجمع بين خبرة سياسية ودبلوماسية عريضة اكتسبها من عمله دبلوماسيا تدرج في مناصب مختلفة إلى أن أصبح وزيرا للخارجية المصرية ورؤية فكرية عميقة استمدها من مناصب علمية وأكاديمية شغلها إبان عمله في الجامعة الأميركية في القاهرة وربما يكون من المفيد أن يشار في هذا السياق إلى أمرين مهمين عمله سفيرا لمصر في واشنطن تسع سنوات متصلة وهو أمر نادر الحدوث ما جعله ملما بتفاصيل السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة والعالم وتفاعله المتواصل مع الشأن العام المصري والعربي الدولي من خلال مشاركته في عديد من الحلقات النقاشية والمؤتمرات العلمية والأكاديمية ونشره مقالات رأي في الصحف وقد أكسبته هذه السمات مزايا متعددة جعلته من أكثر الخبراء إدراكا لجسامة التحديات التي يواجهها العالم العربي في المرحلة الراهنة وربما من أفضلهم قدرة على التفكير خارج الصندوق تكفي نظرة واحدة على ما جرى للعالم العربي وفيه في السنوات القليلة المنصرمة لنكتشف أنه يشهد أسوأ مراحله التاريخية ولندرك أنه بات عاجزا عن مواجهة أزمات داخلية وخارجية حادة تكاد تعصف به وتؤدي إلى تفتيته إلى كيانات صغيرة متناحرة تستند إلى أسس ومعايير عرقية وطائفية وقبلية فقبل طوفان الأقصى اجتاحت الحروب الأهلية دولا عربية عديدة منها سورية والسودان واليمن وليبيا والصومال وغيرها وانكفأت معظم الدول العربية على مشكلاتها وشؤونها الداخلية ولم تعد تهتم بالقضايا العربية المشتركة ومنها القضية الفلسطينية التي ظلت الشعوب العربية تعتبرها سنوات طويلة قضية جامعة لا يجوز التفريط فيها أصبحت جامعة الدول العربية عبئا على العمل العربي المشترك وليس أداة لتحفيزه أو تطويره كانت تلك هي الأجواء التي اندلع في سياقها طوفان الأقصى الذي أشعل شرارة الحرب التي راحت ساحاتها تتسع وتتمدد وتنتقل من فلسطين إلى كل من لبنان وسورية والعراق واليمن إلى أن وصلت إلى إيران ومنها ارتدت إلى كل دول الخليج العربية وهي الحرب التي لم تكن نيرانها قد خمدت نهائيا حتى كتابة هذه السطور رغم هدنة هشة جرى التوصل إليها لوقف القتال أسبوعين يفترض أن تفضي إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة تعقد في إسلام أباد لإنهاء هذه الحرب التي ظلت مشتعلة في المنطقة إلى ما يقرب من عامين ونصف العام في سابقة لا مثيل لها في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة ليس في وسع أحد أن يتكهن بأن هذه الحرب ستكون قد توقفت نهائيا قبل يوم السابع من يوليو تموز المقبل الموعد المحدد لتوجه نبيل فهمي إلى مكتبه في مقر جامعة الدول العربية ليبدأ بمباشرة مهامه أمينا عاما لهذه المنظمة الإقليمية التي شاخت في موقعها وأصبحت عجوزا في الثمانين عاما وحتى بافتراض أن تكون الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد وضعت أوزارها نهائيا قبل أن يدلف الأمين العام الجديد إلى مكتبه فلن يجد في أروقة هذه المؤسسة سوى موظفين يؤدون أعمالا بيروقراطية لن يكون لها أي تأثير على مستقبل الشعوب العربية ولن تؤدي إلى تحسين أوضاعها التعيسة ولأن نبيل فهمي يدرك يقينا أن هذه المؤسسة أصبحت بوضعها الراهن على الأقل عبئا على العمل العربي المشترك وليس أداة لتحفيزه أو تطويره فضلا عن أنه ليس من النوع الذي يمكن أن يستكين أو يستسلم للأمر الواقع عملا بالمثل ليس في الإمكان أبدع مما كان يتوقع أن يبدأ على الفور بالبحث عن أفكار من خارج الصندوق خصوصا أن الأفكار التقليدية أو الإصلاحية أو الترقيعية لم تعد تصلح لبث الروح في جثة هامدة ربما يكون من الأجدى في سياق كهذا أن نبحث عن أفكار كبرى أو راديكالية يتوافر فيها شرطان أن تنطلق من تشخيص دقيق للواقع كي لا تتحول إلى مجرد أطروحات نظرية أو مثالية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع وأن تكون قادرة على استحداث إطار مؤسسي يضم آليات قادرة على تطوير العمل العربي المشترك ودفعه نحو التقدم إلى الأمام باستمرار تجنبا للجمود وضمانا لعدم الانتكاس أو العودة إلى الخلف مثلما حدث لتجارب عديدة تكاملية أو وحدوية سابقة وللوصول إلى هذا النوع من الأفكار ربما يكون من المفيد إعادة التذكير بالحقائق الثلاث التالية يدرك نبيل فهمي يقينا أن جامعة الدول العربية أصبحت بوضعها الراهن على الأقل عبئا على العمل العربي المشترك الأولى تتعلق بحجم ما يملكه العالم العربي من موارد وقدرات فلدى الدول العربية مجتمعة إمكانات مادية وبشرية هائلة تتيح لها القدرة على تحقيق الرفاهية والازدهار لشعوبها وتساعدها في الوقت نفسه على أن تصبح كيانا فاعلا ومؤثرا على الساحة الدولية شريطة أن تنجح في العثور على آلية مؤسسية تمكنها من إدارة هذه الثروات والموارد بطريقة تستفيد منها جميع الشعوب العربية ولا تلحق الضرر بأي منها فإجمالي مساحة هذه الدول يزيد على 13 مليون كيلو متر مربع تمثل 10 من مساحة اليابسة في العالم وتمتد جغرافيا من المحيط الأطلنطي إلى وسط آسيا ومن البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي ويبلع تعداد سكانها ما يقرب من نصف مليار نسمة 470 مليون وتتحكم في أهم الممرات المائية قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب ومضيق جبل طارق وتملك حوالي 50 من احتياطيات العالم من النفط وما يقرب من 30 من احتياطاته من الغاز الطبيعي ولديها أراض زراعية غير مستغلة تكفي لسد الفجوة الغذائية التي تعانيها جميع الدول والشعوب العربية إلخ الحقيقة الثانية تتعلق بالروابط التي توحد بين الشعوب العربية وبالتناقضات التي تفرق بينها فبين الشعوب العربية روابط ثقافية وتاريخية قوية يمكن الاستفادة منها في إطلاق أقوى التجارب التكاملية والوحدوية وتناقضات سياسية واجتماعية واقتصادية تفرق بينها ولا يمكن إغفال تأثيرها السلبي على تجاربها التكاملية أو الوحدوية لذا ينبغي لأي تجربة تكاملية أو وحدوية تقام في المستقبل العمل على تقوية الروابط المشتركة إلى أقصى درجة ممكنة ومحاولة الحد من التأثير السلبي للتناقضات القائمة على أرض الواقع في الوقت نفسه لضمان عدم تكرار ما حدث لتجربة الوحدة بين مصر وسورية وأدى إلى انهيارها في بداية الستينيات وما يحدث للتجربة اليمنية في المرحلة الراهنة وللحيلولة دون وقوع النكسات التي تتعرض لها التجمعات الإقليمية الفرعية كمجلس التعاون الخليجي أو اتحاد المغرب العربي بين حين وآخر تكفي نظرة واحدة على ما جرى للعالم العربي وفيه في السنوات القليلة المنصرمة لنكتشف أنه يشهد أسوأ مراحله التاريخية الحقيقة الثالثة تتعلق بضرورة التمييز بين مفهوم الإطار المؤسسي العام وهو بطبيعته إطار تنسيقي يجسد الحد الأدني لما يمكن أن يجمع بين كل الدول العربية من روابط مشتركة وتعد جامعة الدول العربية بشكلها الحالي المثال الحي لهذا الإطار العام ومفهوم مجموعة الدول النواة أو القاطرة وهو بطبيعته إطار تكاملي يقتصر على الدول الراغبة في إقامة سلطة عليا تجسد الحد الأقصى لما يمكن أن يجمع بينها من روابط مشتركة تكفي لوضع قطاع اقتصادي أو أمني بعينه تحت إدارة هذه السلطة العليا المشتركة وتعد الجماعة الأوروبية للفحم والصلب المثال الواضح لهذه المجموعة النواة في تجربة التكامل الأوروبي ولا نظير له في التجربة العربية فتجربة التكامل الأوروبي بدأت بوضع قطاع الفحم والصلب في ست دول أوروبية فقط ثم راحت تتوسع تدريجيا أفقيا ورأسيا إلى أن أصبحت تضم حاليا 27 دولة أوروبية تتكامل فيما بينها في معظم أوجه النشاط الاقتصادي وأصبح لديها عملة موحدة وتتطلع في الوقت نفسه إلى بناء مؤسساتها السياسية والأمنية المشتركة وتلك هي الفريضة التي ما زالت غائبة في التجربة العربية ربما من المفيد لها أن تقتدي بها أو تتعلم منها أيا كان النهج الذي سيسلكه الأمين العام الجديد لإنقاذ جامعة الدول العربية لن يكون في مقدوره ضمان النجاح في مسعاه إلا إذا تمكن من بناء توافق بين أهم الدول الفاعلة في النظام العربي حول ثلاثة أمور أساسية نهج جديد لإدارة الصراع مع الكيان الصهيوني إطار مؤسسي لأمن جماعي إقليمي تشارك فيه تركيا وإيران إطلاق تجربة تكاملية عربية تستند إلى الدروس المستفادة من تجربة التكامل الأوروبي