هل يستطيع نبيل فهمي إنقاذ جامعة الدول العربية

123 مشاهدة
وقع الاختيار على الدبلوماسي المصري المخضرم ووزير الخارجية الأسبق نبيل فهمي لشغل منصب أمين عام جامعة الدول العربية سنوات خمس مقبلة وهو اختيار صادف أهله ويستجيب لتحديات المرحلة الراهنة لأن نبيل فهمي يتمتع بمزايا شخصية عديدة وبخبرة مهنية واسعة وكلاهما يؤهلانه إلى شغل منصب على هذا القدر من الأهمية والحساسية وهو اختيار يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة التي عجزت الجامعة عن مواجهتها ما حولها إلى مؤسسة إقليمية متهالكة تحتاج إلى عملية إنقاذ كبرى وإلا انهار النظام العربي من أساسه يتمتع نبيل فهمي بشخصية تجمع بين ثقة بالنفس واعتزاز بالكرامة من ناحية وقدرة على التعامل الذكي مع الآخرين من ناحية أخرى فهو ليس صداميا يتوق إلى إثارة المشكلات من دون ضرورة وليس خنوعا يحرص على استرضاء الجميع ولو على حساب فاعلية المؤسسة التي يقودها ولأنه يعرف كيف يختار كلماته ولا يهتم بالجري وراء الأضواء أو يسعى لكي يتملقه الآخرون يتوقع منه أن يتحلى دوما بما يكفي من الشجاعة لقول كلمة الحق خصوصا حين تكون مطلوبة ومفيدة وأن يسخر جهده ووقته لكل ما هو مثمر وضروري لتحقيق الصالح العام وعدم اللهاث وراء منافع شخصية وعلى المستوى المهني يتمتع نبيل فهمي بشخصية تجمع بين خبرة سياسية ودبلوماسية عريضة اكتسبها من عمله دبلوماسيا تدرج في مناصب مختلفة إلى أن أصبح وزيرا للخارجية المصرية ورؤية فكرية عميقة استمدها من مناصب علمية وأكاديمية شغلها إبان عمله في الجامعة الأميركية في القاهرة وربما يكون من المفيد أن يشار في هذا السياق إلى أمرين مهمين عمله سفيرا لمصر في واشنطن تسع سنوات متصلة وهو أمر نادر الحدوث ما جعله ملما بتفاصيل السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة والعالم وتفاعله المتواصل مع الشأن العام المصري والعربي الدولي من خلال مشاركته في عديد من الحلقات النقاشية والمؤتمرات العلمية والأكاديمية ونشره مقالات رأي في الصحف وقد أكسبته هذه السمات مزايا متعددة جعلته من أكثر الخبراء إدراكا لجسامة التحديات التي يواجهها العالم العربي في المرحلة الراهنة وربما من أفضلهم قدرة على التفكير خارج الصندوق تكفي نظرة واحدة على ما جرى للعالم العربي وفيه في السنوات القليلة المنصرمة لنكتشف أنه يشهد أسوأ مراحله التاريخية ولندرك أنه بات عاجزا عن مواجهة أزمات داخلية وخارجية حادة تكاد تعصف به وتؤدي إلى تفتيته إلى كيانات صغيرة متناحرة تستند إلى أسس ومعايير عرقية وطائفية وقبلية فقبل طوفان الأقصى اجتاحت الحروب الأهلية دولا عربية عديدة منها سورية والسودان واليمن وليبيا والصومال وغيرها وانكفأت معظم الدول العربية على مشكلاتها وشؤونها الداخلية ولم تعد تهتم بالقضايا العربية المشتركة ومنها القضية الفلسطينية التي ظلت الشعوب العربية تعتبرها سنوات طويلة قضية جامعة لا يجوز التفريط فيها أصبحت جامعة الدول العربية عبئا على العمل العربي المشترك وليس أداة لتحفيزه أو تطويره كانت تلك هي الأجواء التي اندلع في سياقها طوفان الأقصى الذي أشعل شرارة الحرب التي راحت ساحاتها تتسع وتتمدد وتنتقل من فلسطين إلى كل من لبنان وسورية والعراق واليمن إلى أن وصلت إلى إيران ومنها ارتدت إلى كل دول الخليج العربية وهي الحرب التي لم تكن نيرانها قد خمدت نهائيا حتى كتابة هذه السطور رغم هدنة هشة جرى التوصل إليها لوقف القتال أسبوعين يفترض أن تفضي إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة تعقد في إسلام أباد لإنهاء هذه الحرب التي ظلت مشتعلة في المنطقة إلى ما يقرب من عامين ونصف العام في سابقة لا مثيل لها في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة ليس في وسع أحد أن يتكهن بأن هذه الحرب ستكون قد توقفت نهائيا قبل يوم السابع من يوليو تموز المقبل الموعد المحدد لتوجه نبيل فهمي إلى مكتبه في مقر جامعة الدول العربية ليبدأ بمباشرة مهامه أمينا عاما لهذه المنظمة الإقليمية التي شاخت في موقعها وأصبحت عجوزا في الثمانين عاما وحتى بافتراض أن تكون الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد وضعت أوزارها نهائيا قبل أن يدلف الأمين العام الجديد إلى مكتبه فلن يجد في أروقة هذه المؤسسة سوى موظفين يؤدون أعمالا بيروقراطية لن يكون لها أي تأثير على مستقبل الشعوب العربية ولن تؤدي إلى تحسين أوضاعها التعيسة ولأن نبيل فهمي يدرك يقينا أن هذه المؤسسة أصبحت بوضعها الراهن على الأقل عبئا على العمل العربي المشترك وليس أداة لتحفيزه أو تطويره فضلا عن أنه ليس من النوع الذي يمكن أن يستكين أو يستسلم للأمر الواقع عملا بالمثل ليس في الإمكان أبدع مما كان يتوقع أن يبدأ على الفور بالبحث عن أفكار من خارج الصندوق خصوصا أن الأفكار التقليدية أو الإصلاحية أو الترقيعية لم تعد تصلح لبث الروح في جثة هامدة ربما يكون من الأجدى في سياق كهذا أن نبحث عن أفكار كبرى أو راديكالية يتوافر فيها شرطان أن تنطلق من تشخيص دقيق للواقع كي لا تتحول إلى مجرد أطروحات نظرية أو مثالية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع وأن تكون قادرة على استحداث إطار مؤسسي يضم آليات قادرة على تطوير العمل العربي المشترك ودفعه نحو التقدم إلى الأمام باستمرار تجنبا للجمود وضمانا لعدم الانتكاس أو العودة إلى الخلف مثلما حدث لتجارب عديدة تكاملية أو وحدوية سابقة وللوصول إلى هذا النوع من الأفكار ربما يكون من المفيد إعادة التذكير بالحقائق الثلاث التالية يدرك نبيل فهمي يقينا أن جامعة الدول العربية أصبحت بوضعها الراهن على الأقل عبئا على العمل العربي المشترك الأولى تتعلق بحجم ما يملكه العالم العربي من موارد وقدرات فلدى الدول العربية مجتمعة إمكانات مادية وبشرية هائلة تتيح لها القدرة على تحقيق الرفاهية والازدهار لشعوبها وتساعدها في الوقت نفسه على أن تصبح كيانا فاعلا ومؤثرا على الساحة الدولية شريطة أن تنجح في العثور على آلية مؤسسية تمكنها من إدارة هذه الثروات والموارد بطريقة تستفيد منها جميع الشعوب العربية ولا تلحق الضرر بأي منها فإجمالي مساحة هذه الدول يزيد على 13 مليون كيلو متر مربع تمثل 10 من مساحة اليابسة في العالم وتمتد جغرافيا من المحيط الأطلنطي إلى وسط آسيا ومن البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي ويبلع تعداد سكانها ما يقرب من نصف مليار نسمة 470 مليون وتتحكم في أهم الممرات المائية قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب ومضيق جبل طارق وتملك حوالي 50 من احتياطيات العالم من النفط وما يقرب من 30 من احتياطاته من الغاز الطبيعي ولديها أراض زراعية غير مستغلة تكفي لسد الفجوة الغذائية التي تعانيها جميع الدول والشعوب العربية إلخ الحقيقة الثانية تتعلق بالروابط التي توحد بين الشعوب العربية وبالتناقضات التي تفرق بينها فبين الشعوب العربية روابط ثقافية وتاريخية قوية يمكن الاستفادة منها في إطلاق أقوى التجارب التكاملية والوحدوية وتناقضات سياسية واجتماعية واقتصادية تفرق بينها ولا يمكن إغفال تأثيرها السلبي على تجاربها التكاملية أو الوحدوية لذا ينبغي لأي تجربة تكاملية أو وحدوية تقام في المستقبل العمل على تقوية الروابط المشتركة إلى أقصى درجة ممكنة ومحاولة الحد من التأثير السلبي للتناقضات القائمة على أرض الواقع في الوقت نفسه لضمان عدم تكرار ما حدث لتجربة الوحدة بين مصر وسورية وأدى إلى انهيارها في بداية الستينيات وما يحدث للتجربة اليمنية في المرحلة الراهنة وللحيلولة دون وقوع النكسات التي تتعرض لها التجمعات الإقليمية الفرعية كمجلس التعاون الخليجي أو اتحاد المغرب العربي بين حين وآخر تكفي نظرة واحدة على ما جرى للعالم العربي وفيه في السنوات القليلة المنصرمة لنكتشف أنه يشهد أسوأ مراحله التاريخية الحقيقة الثالثة تتعلق بضرورة التمييز بين مفهوم الإطار المؤسسي العام وهو بطبيعته إطار تنسيقي يجسد الحد الأدني لما يمكن أن يجمع بين كل الدول العربية من روابط مشتركة وتعد جامعة الدول العربية بشكلها الحالي المثال الحي لهذا الإطار العام ومفهوم مجموعة الدول النواة أو القاطرة وهو بطبيعته إطار تكاملي يقتصر على الدول الراغبة في إقامة سلطة عليا تجسد الحد الأقصى لما يمكن أن يجمع بينها من روابط مشتركة تكفي لوضع قطاع اقتصادي أو أمني بعينه تحت إدارة هذه السلطة العليا المشتركة وتعد الجماعة الأوروبية للفحم والصلب المثال الواضح لهذه المجموعة النواة في تجربة التكامل الأوروبي ولا نظير له في التجربة العربية فتجربة التكامل الأوروبي بدأت بوضع قطاع الفحم والصلب في ست دول أوروبية فقط ثم راحت تتوسع تدريجيا أفقيا ورأسيا إلى أن أصبحت تضم حاليا 27 دولة أوروبية تتكامل فيما بينها في معظم أوجه النشاط الاقتصادي وأصبح لديها عملة موحدة وتتطلع في الوقت نفسه إلى بناء مؤسساتها السياسية والأمنية المشتركة وتلك هي الفريضة التي ما زالت غائبة في التجربة العربية ربما من المفيد لها أن تقتدي بها أو تتعلم منها أيا كان النهج الذي سيسلكه الأمين العام الجديد لإنقاذ جامعة الدول العربية لن يكون في مقدوره ضمان النجاح في مسعاه إلا إذا تمكن من بناء توافق بين أهم الدول الفاعلة في النظام العربي حول ثلاثة أمور أساسية نهج جديد لإدارة الصراع مع الكيان الصهيوني إطار مؤسسي لأمن جماعي إقليمي تشارك فيه تركيا وإيران إطلاق تجربة تكاملية عربية تستند إلى الدروس المستفادة من تجربة التكامل الأوروبي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح