لا يزال قدموس يبحث عن أوروبا

21 مشاهدة

يبدو أن قدموس لا يزال يبحث عن أوروبا. يبدو أن الشرق لا يزال يبحث عن الغرب. مشاهد عشرات الآلاف من المهاجرين وهم يعبرون برّاً وبحراً من الأراضي المغربية إلى مدينة سبتة تجسيدٌ لهذا البحث وتعميق لهذه الصورة. وإذا كان هذا البحث قد أخذ ماضياً، في الأسطورة، شكلَ المعرفة، مؤسساً للعلاقة الإبداعية بين الذات والآخر، بين قدموس الذي حمل الأبجدية معه إلى الغرب، ليبحث عن أخته أوروبا، التي اختطفها زوس، وحين لم يجدها أعطى تلك الأرض اسم شقيقته، فإن الشكل الذي تأخذه هذه الرحلة اليوم لا يُؤسِّس إلا للموت والهروب من الأوطان. والمسألة، هنا، فيما وراء، السياسة والهجرة، فيما وراء الحدود والأسياج، فيما وراء أوروبا والغرب والشرق: المسألة، هي تحديداً، لماذا نهرب من أوطاننا؟ وما هذه الأوطان حين يصبح الهروب منها مشروعاً للحياة؟ وهل الوطن فضاء للأفراد الأحرار الذين يساهمون في صنعه، أم هو على العكس من ذلك تماماً مكانٌ مسكونٌ بالجهل، والفقر، والطغيان، والجماعات، والطوائف، والقبائل والقرابات، والمصالح؟
أن يرى المواطن العربي في اختبار التعثر والتخبط والشقاء، في احتمال الموت، خياراً أفضل من البقاء في وطنه هو كارثة حقيقية. كأنَّ المكان الذي يولد فيه الإنسان العربي هو الشاهد الأول على تغرّبه واقتلاعه من جذوره. وها هو الجسد العربي اليوم ينزف دماً غزيراً، في سورية، ولبنان، والعراق، وفلسطين، واليمن، وصولاً إلى المغرب. إنّه جسد بأعضاء مبعثرة، جسد لأفراد محرومين من كل شيء: من القول، والفعل، والعمل، والتعليم، والدراسة، والحلم. ويبدو أن كلَّ واحدٍ منا قد تحوّل في هذا الجسد المبعثر المُجزّأ إلى آلة متنقلة من المشاكل، منذ شروق الشمس حتى غروبها. مشاكل الضوء، والهواء، والخبز، والتنقل، والسكن، والمدرسة، والجامعة، والعمل.. إلخ. من أين لهذا الإنسان، إذاً، أن يحسّ أن له وطناً؟ من أين له أن يشعر بالانتماء إلا للفراغ والعراء والهرب؟ وقبل هذا كله، علينا أن نُدهش من رغبة هذا الإنسان العربي في الموت، مجرد الرغبة، من أجل أن يخرج من وطنه!
أمام هذا الانهيار الكبير الذي نعيشه في أوطاننا، التي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح