عندما يختلف السوريون
السلطة هي من تقرّر القانون لا الحقيقة... من مفارقات التاريخ أن هذه العبارة قالها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر، وكرّرها المفكر الألماني كارل شميت خلال حكم جمهورية فايمار السابقة للعهد النازي، ويكرّرها اليوم سوريون كثيرون.
كان هوبز مسكوناً بهاجس إنشاء سلطة قوية تقيم الدولة السيدة لمواجهة الاحتراب الداخلي في بلده، وعندما أعاد شميت هذه العبارة كان مسكوناً بهاجس النظام الديمقراطي المضطرب والعاجز عن اتخاذ قرارات مصيرية في مرحلة مفصلية من تاريخ ألمانيا، فكان يبحث عن سلطة دكتاتورية قادرة على أخذ القرارات اللازمة لحماية البلاد... ليس هذا ولا ذاك، كان في خاطر سوريين حين ردّدوا عبارة هوبز (من دون أن يعرفوها) على طريقتهم: الذي حرّر البلاد هو الذي يقرّر.
مناسبة هذه العبارة الاحتجاجات ضد قرار محافظ دمشق رقم (رقم 311 م. ت) الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وهو القرار الذي حظر تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية، وحصر بيعها بزجاجات مغلقة في محال مجازة ضمن مناطق محدّدة، مثل باب توما، القصاع، باب شرقي، ذات الأغلبية المسيحية... لم تعد الإشكالية مرتبطة هنا في قرار المحافظ، على الرغم من خطئه، بل أصبحت مرتبطة في طريقة دفاع جمهورٍ لا بأس به عن هذا القرار.
حمل المشهد العام لهذه المسألة نقيضين، لا على مستوى المواقف فحسب، بل الأهم على مستوى أدوات التعبير: اكتفى المندّدون بقرار المحافظ بالتجمّع في ساحة باب توما شرقي دمشق، مستخدمين لغة حقوقية ـ دبلوماسية ـ سلمية للتعبير عن موقفهم، مع ما لحق ذلك من بيانات موجهة للسلطة بقدر ما هي موجهة للرأي العام.
قرار حصر بيع المشروبات الروحية في فئة دينية دون أخرى، وفي منطقة دون أخرى، ليس تقسيماً مكانياً، بل تقسيم هُوياتي
في مقابل هذا المشهد، تظاهر مواطنون في محافظات دمشق وإدلب واللاذقية تأييداً لقرار محافظة دمشق، وكانوا جميعهم من لون طائفي واحد، وفيما بدا المتظاهرون، المُعتدى على حرّياتهم، في باب توما هادئين في التعبير عن موقفهم، بدا الغضب والاستخفاف بالآخرين جلياً في المظاهرات المؤيدة لمنع بيع
ارسال الخبر الى: