من يحمي آثار لبنان وثقافته من نيران الحروب العدوانية

70 مشاهدة
مع تصاعد العدوان الذي تشنه إسرائيل على لبنان منذ الثاني من شهر مارس آذار الجاري تواجه الآثار والبنية الثقافية تهديدا يتجاوز حدود الدمار المادي ليطاول الممتلكات والآثار الثقافية فالقصف المتكرر في مناطق الجنوب والبقاع ولا سيما في محيط مدينتي صور وبعلبك ألحق أضرارا مباشرة بمواقع أثرية ومبان ثقافية ومتاحف محلية ما جعل مهمة الحفاظ على هذا الإرث أكثر تعقيدا وصعبة الاحتواء في ظل حرب مفتوحة تفيد وزارة الثقافة اللبنانية بأن مواقع أثرية عديدة لا تزال تحت خطر الاستهداف ففي صور أدى قصف إسرائيلي قرب موقع البص الأثري المدرج في قائمة التراث العالمي إلى تضرر البنية التحتية الحديثة المحيطة به بما في ذلك متحف لم يفتتح بالكامل بعد وطاولت الخسائر أيضا قطاع المكتبات فوفق تقديرات رسمية تضررت نحو 11 مكتبة عامة في أنحاء مختلفة من لبنان بينها ثلاث دمرت بالكامل سواء نتيجة القصف المباشر أو بفعل النزوح الذي أدى إلى تعطيل الخدمات وإغلاق المرافق nbsp في هذا السياق يقول المدير العام للآثار في وزارة الثقافة سركيس خوري لـالعربي الجديد إن الحرب القائمة لا تحمل خصوصية في تأثيرها على التراث اللبناني فهي امتداد لما يجري منذ أكثر من سنتين وأفاد بأن الآثار اللبنانية كانت بالفعل عرضة للاعتداء حتى خلال فترات وقف إطلاق النار ما وضع تراثنا المادي واللامادي أمام استنزاف يومي يضيف أن أكثر من 40 بلدة في الجنوب والبقاع تم محوها عن الخريطة بما تضمه من آثار تعود إلى عصور مختلفة ويصف ما يجري اليوم بأنه إبادة تراثية وبيئية تتوازى مع القتل الممنهج ويوضح خوري أن مواقع بارزة في صور وبعلبك المدرجتين في قائمة التراث العالمي لليونسكو تضررت بشكل شديد إلى جانب مواقع أخرى على اللائحة التمهيدية مثل قلعة الشقيف وأرنون وتبنين فقد تعرضت بعض هذه المواقع لتفجيرات متعمدة كما في حالة قلعة شمع التي فجرت من داخلها بعبوات ناسفة ويرى أن هذه الوقائع تشير إلى أن الحرب ليست عسكرية فقط بل تحمل أبعادا ثقافية تستهدف هوية المكان في لبنان إبادة تراثية وبيئية تتوازى مع القتل الممنهج للناس في مواجهة هذا الواقع اعتمدت وزارة الثقافة اللبنانية وفق خوري استراتيجية مزدوجة قانونية ودبلوماسية شملت التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو لتفعيل آليات الحماية الدولية كما عملت المديرية العامة للآثار خلال السنوات الماضية على تطبيق البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 ما أتاح إدخال 34 موقعا أثريا إلى قائمة الحماية المعززة لكنه يقر في الوقت نفسه بأن هذه الإجراءات لا تمنع الاستهداف فعليا في ظل عدم التزام الطرف الآخر بالاتفاقيات الدولية وأضاف أن الجهود الميدانية شملت نقل قطع أثرية إلى أماكن آمنة والتعاون مع المجتمع الأهلي والجمعيات لتأمين أكبر قدر ممكن من الحماية مؤكدا أن العمل يتم بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين من بينهم اليونسكو والجيش اللبناني الذي يساهم بهذه المهمة عبر وحدة خاصة لحماية الممتلكات الثقافية كذلك تواصلت العربي الجديد مع المؤرخ والباحث في الجامعة الأميركية ببيروت باسم فليفل الذي يرى أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن سياق أوسع من تراجع الاهتمام بالإرث التاريخي على المستويين الرسمي والشعبي معتبرا أن الإجراءات الوقائية مثل استخدام الدروع الزرقاء تبقى في جوهرها رمزية أكثر مما هي فعالة خصوصا في ظل تهديدات لا تميز بين الإنسان والحجر وأوضح فليفل أن تدمير التراث في سياقات العدوان لا يكون دائما نتيجة عرضية بل يرتبط أحيانا بصراع على السردية والهوية وأن بعض الحقب الحضارية تمنح قيمة عالمية أكبر من غيرها فيما يهمش الإرث العربي أو الإسلامي سواء بشكل غير مباشر أو متعمد ويلفت إلى أن الخطر الحالي يتضاعف نتيجة تداخل التهديد الخارجي مع هشاشة داخلية سابقة تمثلت في التعديات والتهريب وضعف الوعي الدروع الزرقاء إجراء وقائي رمزي أمام التدمير الممنهج ويرى فليفل أن التعامل مع هذا الواقع يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الدولة والمجتمع المحلي والدعم الدولي وقال إن التجارب أخيرا خصوصا بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 أظهرت أن إشراك المجتمع المحلي يمكن أن يكون عنصرا حاسما في الحماية والترميم كما شدد على أهمية التوثيق الرقمي معتبرا أنه خط الدفاع الأساسي في حال تعذرت الحماية الميدانية لأنه يضمن حفظ الذاكرة وإمكانية إعادة الإعمار وفي سياق متصل يقول مدير سلسلة مكتبات السبيل أنطوان بولاد لـالعربي الجديد إن الأضرار التي لحقت بقطاع المكتبات ليست مادية فقط بقدر ما هي معنوية ووظيفية أيضا موضحا أن الكثير منها أغلق بدافع حماية الزوار رغم سلامتها من الناحية الفيزيائية ويضيف أن هذا الإغلاق يحد من وصول الناس إلى الكتاب ويؤثر على استمرارية النشاط الثقافي ويفيد بولاد بأن السبيل من المكتبات الـ12 التي ستتعاون مع وزارة الثقافة في خطتها المعلن عنها في توجيه برامج تعليمية للأطفال النازحين في محاولة للتكيف مع الظروف من خلال توجيه القراء إلى فروع أخرى لا تزال تعمل إلى جانب إطلاق مبادرات ميدانية تستهدف الأطفال في مراكز النزوح نفسها عبر برامج قراءة تفاعلية باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية nbsp ويوضح أن هذه البرامج تعتمد على السرد القصصي بدل الأساليب التعليمية التقليدية بهدف دعم الأطفال نفسيا وتعليميا في الظروف الحالية ورغم هذه الجهود يقر بولاد بوجود فجوة كبيرة في التنسيق والدعم مشيرا إلى أن غياب المبادرات الواسعة من دور النشر والجهات المعنية يحد من تأثير هذه الجهود ما يستدعي برأيه إطارا أكثر تنظيما يضمن تكامل الأدوار واستمراريتها في المحصلة يعكس المشهد الثقافي في لبنان اليوم واقعا معقدا حيث يتقاطع الدمار المادي مع التهديدات الرمزية والوظيفية وبين محدودية الأدوات المتاحة واستمرار المخاطر الميدانية تبدو مهمة حماية التراث أقرب إلى إدارة خسائر منها إلى حماية كاملة ومع ذلك فإن الجهود المحلية والدولية مهما بدت جزئية تظل ضرورية للحفاظ على ما تبقى ولضمان ألا تتحول هذه الخسارة إلى عملية محو كامل وتعطيل أو شل للقطاعات الثقافية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح