حين يتكلم السلاح ماذا يبقى من السياسة

كتب/ علي سيقلي
حين يتقدم السلاح إلى واجهة المشهد، تتراجع اللغة الدبلوماسية إلى الهامش، وتسقط معها كل الأقنعة التي أُحكمت خياطتها في الغرف المغلقة. فالقوة، حين تُستخدم، لا تجادل ولا تفسّر، بل تقول الحقيقة العارية كما هي، دون مساحيق سياسية أو بيانات ملساء.
ما عجزت الرياض عن قوله صراحة طوال الفترة الماضية، أفصحت عنه الوقائع الميدانية، وأكده خطاب القوة الصادر من صنعاء. فـ«خارطة الطريق» التي جرى تسويقها باعتبارها مشروع سلام، لم تكن في جوهرها سوى محاولة ذكية لإدارة الخسارة، لا إنهاء الحرب. تفاهمات وُقّعت بعيدًا عن الأضواء، وبرعاية عُمانية هادئة، وحملت في طياتها أكثر مما أعلنت، وأخفت أكثر مما كشفت.
اليوم، وعلى لسان محمد عبدالسلام، خرج المسكوت عنه إلى العلن. لم يعد الأمر مجرد تأويلات أو تسريبات، بل اعتراف سياسي صريح بأن ما قُدّم كحل سياسي لم يكن سوى صفقة مؤجلة، أُريد لها أن تمرّ بهدوء، وعلى حساب أطراف لم تكن يومًا على طاولة التفاوض، لكنها كانت دائمًا على طاولة الدفع.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن مشهد مطار المخا.
مطار شُيّدته دولة الإمارات، كرمز للنفوذ، وربحته السعودية بالصدفة كورقة استعراض سيادي، فإذا به يتحول إلى دليل إضافي على هشاشة الادعاء بالقوة.
أول اختبار حقيقي للمطار سقط سياسيًا قبل أن يسقط فنيًا، حين مُنعت الطائرة من الهبوط بقرار من صنعاء، في رسالة لا تحتمل التأويل: من يملك القرار على الأرض، يملك السماء أيضًا.
المفارقة هنا ليست في فشل رحلة، بل في فشل خطاب سعودي مستفز. خطاب حاول طمأنة الحلفاء، واحتواء الخصوم، وتهميش الجنوب وقضيته المصيرية في آن واحد. الرد السعودي لم يكن موجهًا للحوثي وحده، بل حمل في طياته رسالة باردة إلى أبناء الجنوب: أن القضايا الكبرى يمكن تأجيلها، وأن المصائر يمكن التفاوض عليها، متى ما اقتضت مصلحة اللحظة.
لكن الوقائع تقول غير ذلك. فالقضية الجنوبية، التي حاول البعض وضعها على الهامش، تعود اليوم إلى قلب المعادلة، لا بوصفها تفصيلًا، بل باعتبارها معادلة مستقلة لا تقبل
ارسال الخبر الى: