حين يتحول غياب الاعتراف إلى عزلة

42 مشاهدة

لكل مجتمع ديناميكيته الخاصة؛ فبينما يختار بعض أفراده الصمت، يفضل آخرون رفع أصواتهم ليُسمعوا. لكن ثمة فئة ثالثة تعيش في هوة عميقة من الفراغ الوجودي، بلا ماضٍ تستند إليه، ولا حاضرٍ تنعم به، ولا مستقبلٍ يمكنها أن ترنو إليه. هؤلاء ليسوا مجرد مهمّشين اجتماعيًا، بل هم أفراد فقدوا بوصلتهم الوجودية، يصارعون أزمة داخلية عميقة غالبًا ما تمر دون أن تُروى، لكن آثارها تتجلى في سلوكياتهم، ولغتهم، ونظرتهم لذواتهم وللآخرين.

ليست المشكلة في الفقر، فالفقر وإن كان قاسيًا، يمكن تجاوزه. تكمن المأساة الحقيقية في الإنسان الذي لا يملك ماضيًا يشد من أزره، ولا حاضرًا يعبر عنه، ولا مستقبلًا ينتظره. عندما يشعر المرء بأنه بلا أثر، بلا توقيع في سجلات التاريخ، ولا بصمة في دفاتر الحاضر، تبدأ صرخته الخفية أو المعلنة، ليس فقط ليُسمع، بل ليؤكد وجوده: أنا هنا.. التفتوا إليّ، احترموني.

يبدأ الأمر غالبًا بشعور داخلي مدمر بانعدام القيمة، شعور لا يدمر الصورة الذاتية فحسب، بل يمزق التماسك النفسي للفرد. عندما يفقد الإنسان الإحساس بمعنى وجوده، يتحول إلى كتلة من القلق والاضطراب، يبحث عن أي وسيلة لإعادة تأكيد ذاته، حتى لو كانت تلك الوسيلة مجرد افتعال للضجيج أو الدخول في صدامات غير مبررة.

في هذا السياق، لا يكتفي بعضهم بمجرد الظهور المبالغ فيه أو الكلام الكثيف، بل يتجاوزون ذلك إلى مهاجمة أصحاب الإنجازات والتاريخ، ومحاولة تشويه سمعتهم، والتشكيك في دوافعهم، وقد يصل الأمر إلى تخوينهم. هذا السلوك لا ينبع من نقد واعٍ وصادق، بل من أزمة عميقة في المعنى، وشعور دفين بأنهم غير مرئيين، وغير محسوبين، ولا يُؤخذ وجودهم على محمل الجد. هنا، تتحول المعركة من صراع مع الذات إلى حرب شاملة ضد كل من يحظى بقيمة أو مكانة في المجتمع.

تكمن المأساة الحقيقية في الإنسان الذي لا يملك ماضياً يشد من أزره، ولا حاضراً يعبر عنه، ولا مستقبلاً ينتظره. عندما يشعر المرء بأنه بلا أثر، تبدأ صرخته الخفية.

الأخطر من ذلك هو حال من لم يكن شيئًا من الأساس —

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح