حين يتحول الأدب إلى جهاز لقياس التشققات الاجتماعية
منذ أن صدر كتاب منار مخول الموسوم بـسيسموغرافيا الهويات: الانعكاسات الأدبية لتطور الهوية الفلسطينية في إسرائيل 1948-2010، صار تذكّره عندي مُلازمًا لذكرى النكبة، ربّما لأنّ مخول عرف أيّ القياسات أنجع من غيرها حين يتعلّق الأمر بهُويّة الفلسطيني تحت الاستعمار وتغيّراتها المستمرّة.
الهُويّة الفلسطينية داخل دولة الاحتلال ليست بنية ثابتة يمكن الإمساك بها بسهولة، بل تبدو أقرب إلى حقل دائم الاهتزاز، يتغير بتغيّر السياسة والمدينة والتعليم واللغة وشروط الحياة اليومية. وربّما لهذا يبدو الأدب، أكثر من أيّ خطاب آخر، قادرًا على التقاط التحوّلات الدقيقة التي تصيب الوعي الجمعي قبل أن تظهر في المجال السياسي.
من هنا تبرز أهمية الكتاب، الذي يتعامل مع الرواية الفلسطينية في الداخل المُحتل بوصفها جهازًا لقياس الاهتزازات العميقة في البنية الاجتماعية، لا مجرّد إنتاج جمالي أو سردي. فالرواية هنا ليست انعكاسًا بسيطًا للواقع، بل مساحة يتمظهر فيها تشكّل الذات الفلسطينية تحت ضغط مُعقّد من الذاكرة والاستعمار والمواطنة. وينقل الكتاب النقاش حول الفلسطينيين المُقيمين في الأراضي المحتلة عام 1948 من الأسئلة السياسية المباشرة إلى مستوى أكثر عمقًا: كيف تغيّر الفلسطيني في الداخل؟ وكيف انعكست هذه التحوّلات في اللغة والسرد والعلاقات الاجتماعية وصورة المكان؟
يبدو الأدب، أكثر من أيّ خطاب آخر، قادرًا على التقاط التحولات الدقيقة التي تصيب الوعي الجمعي قبل أن تظهر في المجال السياسي
ولعلّ أهم ما يرصده الكتاب هو الانتقال التدريجي من خطاب التحرّر الوطني إلى خطاب الحقوق المدنية والمواطنة، لا بوصفه مجرّد تغيير في المعنى السياسي، بل إعادة تنظيم كاملة لمعنى الذات الفلسطينية. فالفلسطيني داخل الخط الأخضر لم يعد يتحرّك فقط داخل سردية وطنية كبرى، بل داخل شبكة يومية مُعقّدة من العمل والتعليم واللغة والسوق، حتى إنّ اللغة نفسها باتت ساحة صراع خفي بين الانتماء والتكيّف، بين الذاكرة والشروط التي تفرضها الحياة تحت وطأة المُستعمِر.
ولعلّ أكثر ما يُجسّد ذلك هو ما يرصده مخول في المتشائل لإميل حبيبي، وتحديدًا في مشهد يلتقي فيه سعيد أبو النحس، الفلسطيني المُقيم المُتعاون مع السلطات، بفدائي قادم من لبنان.
ارسال الخبر الى: