حين يبدأ الخلاف بفكرة وينتهي في جسد امرأة
ثمة طريق قصير تسلكه بعض السجالات العربية على مواقع التواصل: تبدأ بفكرة وتنتهي في جسد امرأة. تكتب امرأة رأياً في السياسة أو المجتمع أو الثقافة، فلا يطول الوقت قبل أن يغادر بعض خصومها الفكرة إلى جسد صاحبتها، ثم إلى أعضائها الأكثر خصوصية وحياتها الجنسية المتخيلة. كأنّ العقل الذي كتب الرأي يختفي فجأة، ويُستدعى الجسد إلى المحاكمة. وليس المدهش فحش اللغة؛ فاللغة عرفت البذاءة منذ عرفت الغضب، بل المدهش ذلك اليقين القديم الذي يقود الشاتم مباشرة إلى المكان نفسه: إذا أردت إسكات امرأة، لوّث صورتها الجنسية.
الشتيمة الجنسية، في جوهرها، ليست كلاماً عن الجنس بقدر ما هي ذاكرة سلطة. فعلى امتداد تاريخ طويل حُمّل جسد المرأة ما لا ينبغي لجسد أن يحمله: شرف الأسرة، وسمعة الأب، وكرامة الأخ، وأخلاق الجماعة. صار جسدها خزنة أودع الآخرون فيها قيمهم، ثم احتفظوا بالمفتاح. لذلك لا يحتاج الشاتم إلى دراسة علم النفس كي يعرف أين يوجّه كلمته؛ الثقافة درّبته مسبقاً على موضع الضربة.
والأكثر دهاء أن الشتيمة لا تحتاج إلى أن تكون قابلة للتصديق. وظيفتها ليست إثبات شيء، بل جرّ المرأة إلى محكمة لم تخترها. فبدلاً من أن يبقى صاحب الشتيمة مطالباً بمناقشة رأيها، تصبح هي مطالبة بنفي ما قيل عن جسدها. هنا ينجح العنف اللغوي في حيلته الأقدم: يغيّر موضوع القضية. وربما يكون أكثر ما يربكه امرأة ترفض المحكمة كلها؛ لا تشرح ولا تنفي ولا تقدم شهادة حسن سلوك، لأن ما يخص جسدها لم يكن جزءاً من النقاش منذ البداية.
منحت وسائل التواصل هذه الآلية القديمة سرعة لم تعرفها من قبل. كان التشهير يحتاج ذات يوم إلى مجلس أو شارع؛ اليوم يحتاج إلى إصبع. يبدأ أحدهم الشتيمة، فيضيف آخر كلمة، ويحاول ثالث أن يكون أكثر فحشاً كي يحصد ضحكة أو إعجاباً، حتى ينشأ ما يشبه اقتصاداً للقسوة، يتنافس فيه الناس على زيادة جرعة الإهانة. وقد لا يعرف القادمون لاحقاً أصل الخلاف أصلاً؛ تكفيهم إشارة الجماعة إلى الهدف. وهكذا تتحول الاستباحة إلى طقس للانتماء: أشتم
ارسال الخبر الى: