يا لسخرية القدر

يمنات
محمد سعيد حميد
استيقظ سمير عبدالفتاح قبل الفجر، كعادته منذ أربعين عاماً. جلس إلى مكتبه الذي ورثه عن أبيه قبل أن يصله فنجان القهوة. فتح النافذة على شقشقة العصافير، ومدّ يده إلى كومة الأوراق البيضاء التي تنتظره كل صباح، وبدأ يكتب.
كتب عن الفلاحين الذين يجففون التبغ في الشرفات، عن الغجر على أطراف المدينة، عن عجوزٍ تبيع الخبز في محطة الباصات، عن الناس… عن وجوههم المثقلة بالحزن، عن أصواتهم الضائعة، وعن حقيقةٍ تتكسّر قبل أن تصل.
كان يكتب كغريقٍ يلهث، يكتب حتى تتعب أصابعه، ويتمزق عقله وقلبه أكثر، لكنه اكتشف متأخراً أن للكلمات مقابر.
حدث ذلك حين سأل ثلاثة شبان جلسوا إلى طاولةٍ مجاورة له في مقهى يغمرها دخان السجائر، على الشارع الرئيس للمدينة:
“يا شباب، هل اطلعتم على آخر الإصدارات الفكرية؟”
ضحك أحدهم وقال: “نقرأ ماذا؟ كل شيء في الجوال!”
سألهم بنبرة حائرة: “قصصاً؟ روايات؟ أدباً؟”
فأجابه الآخر: “لا وقت يا عم… نتابع السناب والتيك توك”.
ارتعشت يد سمير وهو يضع فنجان القهوة، فانسكبت منه قطرة على الطاولة، دفع ثمن قهوته وغادر.
في طريقه إلى البيت، مرّ بالمكتبة العامة. أشعل غليونه، ووقف أمام واجهتها الزجاجية يتأمل رواياته المصطفّة على الرفوف: أغلفة أنيقة، وعناوين اختارها بعناية. دخل واستنشق عبيرها، وسأل موظف المكتبة: “كيف المبيعات هذا الشهر؟”
تلكّأ الموظف قليلاً، ثم قال: “الحقيقة يا أستاذ سمير… الناس لا تقرأ كثيراً هذه الأيام. رواياتك موجودة، لكن…”
قاطعه: “كم قارئاً هذا الأسبوع؟”
أجاب الموظف بأسف: “اثنان… أحدهما استعارها لابنته المُطالبَة ببحثٍ مدرسي.”
في بيته فتح دُرجاً قديماً؛ رسائل من قرّاءٍ كانوا يوماً هنا… حين كان الناس يقرأون.
قبل ثلاثين عاماً، كانت رسائله تصل، ورسائل القراء تصل بعد أشهر مع ساعي البريد. كان يكتب في الصحف، ويظهر على شاشات التلفاز، ويقصده طلبة الجامعات لإجراء بحوث عن رواياته، وفي أيديهم باقات الورد.
تمتم بمرارة: “يا لسخرية القدر… كاتبٌ يغرق في الكلمات، ولا يجد من يغرق معه.”
الكلمات في داخله كالنمل الأبيض، تأكل روحه إن
ارسال الخبر الى: