يا توافق يا تنافق يا تفارق

يمنات
أحمد سلطان السامعي
في كثير من الأنظمة السياسية في العالم، وخاصة العالم العربي، يجد الإنسان نفسه أمام معادلة صعبة لا تترك له مجالاً واسعاً للاستقلالية أو الرأي، معادلة يمكن اختصارها بـ: الموافقة، أو المنافقة، أو المفارقة.
فإما أن توافق السلطة على كل ما تريد، وتردد ما تقوله دون نقاش أو اعتراض، فتتحول من مواطن أو مسؤول إلى مجرد تابع لا يملك قراراً مستقلاً ولا موقفاً شجاعاً، ويصبح معيار الصواب والخطأ ما تراه السلطة، لا ما يراه العقل أو الضمير أو الدين.
وإما أن تنافق السلطة، وهو مستوى أشد خطورة من مجرد الموافقة أو الخضوع لها؛ فالمنافق لا يكتفي بالسير في الاتجاه الذي تريده السلطة، بل يعمل على تجميل الأخطاء، وتبرير الإخفاقات، وتحويل السلبيات إلى إنجازات وهمية تلحق الضرر بالسلطة ولا تنفعها. يصفق لكل قرار ويمدح كل خطوة، حتى لو كانت تلك القرارات والخطوات مخالفة للمنطق أو المصلحة العامة للشعب.
وفي هذه الحالة تضيع الحقيقة وسط زحمة النفاق والمديح الكاذب، ويصبح النقد جريمة، والنصيحة عمالة ومؤامرة.
أما الخيار الثالث، فهو أن تفارق وتبتعد عن دائرة التبعية والنفاق، وأن تختار الوقوف إلى جانب الصواب وما يمليه عليك ضميرك ودينك وقناعتك.
قد يكون هذا الخيار مكلفاً وصعباً لأنه يحرمك الكثير، ويجلب لك الهجوم والتشويه بالعمالة والارتزاق، لكنه يمنحك شيئاً لا يُقدر بثمن: احترام الذات، وراحة الضمير، والأهم.. احترام الناس.
المشكلة اليوم ليست في وجود سلطة أو معارضة، بقدر غياب المساحة التي تسمح للإنسان بأن يكون صادقاً؛ يؤيد حين يقتنع، ويعترض حين يرى الأخطاء، دون أن يُجبر على الاختيار بين التبعية المطلقة أو القطيعة المطلقة.
عموماً، الأوطان لا تتقدم بالمصفقين ولا بالمنافقين، بل تتقدم بأصحاب الرأي الصادق والنصيحة الخالصة؛ فهؤلاء يرون الإنجاز فيشكرون، ويرون الخطأ فينبهون إليه. فالنقد المخلص ليس عداءً، والاختلاف ليس خيانة، والسكوت عن الخطأ ليس ولاءً للسلطة ولا حرصاً على استقرارها، بل مشاركة غير مباشرة في استمراره؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق.
ويبقى السؤال
ارسال الخبر الى: