إذا لم يأت اذهب إلى الساحل
لا يسجّل التاريخ السياسي للعلاقات بين الجزائر ودول الساحل والصحراء، خلال العقود الأربعة الأخيرة، زيارة واحدة لرئيس جزائري إلى دول هذه المنطقة، على أهميتها بالنسبة للجزائر على صعيد الجغرافية السياسية والاقتصادية وامتدادات الأمن القومي.
مرّ على رأس الدولة في الجزائر، خلال العقود الأربعة الماضية، ثلاثة رؤساء، ويقترب الرئيس عبد المجيد تبون من نصف ولايته الرئاسية الثانية، من دون أن تحط الطائرة الرئاسية في مطارات نيامي أو بماكو، في نجامينا أو واغادوغو، في داكار أو نواكشوط، وآخر زيارة لرئيس جزائري إلى دولة في الساحل تلك التي قام بها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد إلى موريتانيا عام 1985 (زيارة تبون عام 2024 إلى موريتانيا كانت لحضور مؤتمر الاتحاد الأفريقي وليست زيارة ثنائية).
هل هذه غفلة من أمر لم تكن تُعطى له الأهمية اللازمة لما يمكن أن يؤديه هذا المستوى من الزيارات (بغضّ النظر عن الطابع البروتوكولي لتبادل الزيارات الرئاسية)، على صعيد تثبيت الثقل الجزائري في المنطقة وتوسيع أبعاده، أم سوء تقدير من صنّاع القرار في الجزائر لطبيعة التحوّلات التي كانت تجري في المنطقة؟ تلك أسئلة لا تبحث عن إجابة بالضرورة، لكنها تشير إلى أحد نواقص السياسة الجزائرية والتزاماتها تجاه المنطقة.
وأياً كانت الموانع الموضوعية والأسباب السياسية، التي جعلت سجل الزيارات الرئاسية في اتجاه واحد من الساحل إلى الجزائر، فإنها لا تبرر بما يكفي ذلك، والمسألة تحتاج إلى مراجعة جدية إذا كانت الجزائر تريد فعلاً تثمين علاقاتها في الساحل، تثبيت خطوطها وتحويلها إلى علاقة معمرة ونفعية متبادلة. ليس على الجزائر أن تنتظر قدوم الساحل إليها، يتعين عليها أن تذهب بذاتها وثقلها السياسي والإقليمي، بعشر أقدام وعشر أيدٍ إلى الساحل، في ظرفية إقليمية حرجة، وربما في خضم تحولات جذرية رهيبة في هندسة جديدة للمنطقة، وتحالفات مرتبطة بمستقبل الرمال والدم.
يتعيّن أن تذهب الجزائر، باعتبارات الدور الذي يمكن أن تؤديه إلى تثبيت موجبات السلم والاستقرار، إلى الساحل بأكثر مما هو قائم، وبأعلى سقف سياسي ممكن، وبأدوات ربما لم يسبق توظيفها لأسباب لم تعد قائمة، ذلك
ارسال الخبر الى: