وليد دقة سيرة لما كان يمكن أن يكون عاديا
سيرة الشهيد والمناضل الفلسطيني وليد دقة، هي سيرة من التطلع الدؤوب إلى حياة عادية؛ هكذا وصفها، وهكذا أراد تقديمها لقرائه ورفاقه وسجانيه وللقضاة والمحققين، وهكذا يحكيها في كتابه بائع التذاكر (دار الآداب، بيروت، 2026)، وهي نصوص من تحرير عبد الرحيم الشيخ، جُمعت ودونت عبر اتصالات وتسجيلات صوتية على مراحل متقطعة حتى عام 2022، ولم تكتمل بسبب حملات النقل والعزل حتى استشهاده في إبريل/ نيسان من عام 2024.
تتطرق نصوص الكتاب إلى أقسام من حياة وليد قبل السجن وبعده. وإذا كانت سيرته قبل الاعتقال كما يصر في غير موضع، سيرة عادية اعترضتها السياسة، فإن حياته بعد الاعتقال نضال سياسي لانتزاع حياة عادية. كان يمكن له أن يبقى عامل محطة وقود، أو عامل طلاء، كما يقول في أحد نصوصه، أن يتزوج زواجاً عادياً وينجب أطفالاً عاديين، لكنه اصطدم مصادفة بالسياسة بعد الجرائم الإسرائيلية في لبنان، التي غيرت حياته كما غيرت حياة شطر من جيله. لكن هذا التطلع استمر في تشكيل تجاربه في السجن؛ أراد أن يحب مثله مثل كل العشاق، فأحب وتزوج من داخل زنزانته، وأراد أن ينجب مثله مثل كل الآباء، فهرّب نطفه من خلف القضبان، وأراد أن يكتب مثل أي كاتب ويخاطب بلا وساطة جمهوره، فكان روائياً فلسطينياً كما يعرفه الناشر باقتضاب.
يبدأ مذكراته بالطفولة، بتجاربه الأولى مع المدينة اليهودية
يبدأ دقة، ابن باقة الغربية في الداخل الفلسطيني وأحد أبرز قيادات الحركة الأسيرة الفلسطينية، مذكراته بالطفولة، بتجاربه الأولى مع المدينة اليهودية. وهو بذلك لا يؤرخ لتجاربه فقط، ولكن لتجارب جيل كامل من الفلسطينيين مع الحاضرة اليهودية واغترابهم عنها. رحلته وهو طفل مصاب بمرض عصبي إلى العيادة، بداية عمله في مطعم إسرائيلي، تجاربه الأولى في المراهقة في مدينة ترتدي فيها النساء برانيط؛ هذا الاغتراب لا يظهر بكونه خلفية مجردة، ولكن صورة سردية مكثفة عن حال الفلسطينيين وغربتهم في هذا الزمن، سيرة لمن ليسوا مواطنين في الدولة الجديدة ولا لاجئين تماماً (ص 22)، أولئك الذين أصبحوا عمالاً يدخلون المدينة من فنائها
ارسال الخبر الى: