هاني شاكر ولبنان ذاكرة الحرب ومحطة السنوات الأخيرة
شكّل المغنّي المصري الراحل هاني شاكر نقطة تحوّلٍ فاصلة في مسار الأغنية العربية، لا سيّما في بيروت الثمانينيات، حيث بدا صوته حاضراً في وجدان جيلٍ كامل من المراهقين الذين حفظوا أغانيه عن ظهر قلب، وعاشوا على إيقاعها قصص الحب والحنين والفقد.
هؤلاء أنفسهم، ومعهم أجيال لاحقة، حضروا حفله الأخير في ديسمبر/كانون الأول الماضي في فوروم دو بيروت، بعد أكثر من أربعة عقود من حضوره الأول، في مشهدٍ بدا فيه الزمن كأنه توقّف عند صوتٍ لم يبهت، ظلّ نابضاً بالإحساس، متماسك الأداء، قادراً على التلوّن المقامي والتحكّم بالنوتة من دون أدنى اهتزاز، وكأن خبرة السنين صقلته بدل أن تُثقله.
لم تكن بدايات هاني شاكر سهلة في ظل الهيمنة الطاغية لعبد الحليم حافظ الذي سيطر على الإذاعة والسينما وسوق الأسطوانة والكاسيت، فبدا المشهد مغلقاً أمام أي صوتٍ جديد. غير أن مطلع السبعينيات حمل ملامح اختراقٍ تدريجي، فاستطاع شاكر أن يثبت حضوره وأن يشق طريقه بثبات، رغم أن طيف العندليب ظلّ الأكثر تأثيراً.
في تلك المرحلة، سادت فرضية أنّه امتدادٌ لذلك الخط الرومانسي، غير أنّ مسيرته سرعان ما أثبتت استقلالها، وأظهرت ملامح شخصية فنية خاصة، لا تستند إلى التقليد، بل إلى إعادة صياغة الحسّ العاطفي بلغةٍ أقرب إلى زمنها.
بعد رحيل عبد الحليم، شهدت الأغنية العربية تحوّلاً ملحوظاً، وكان هاني شاكر أحد أبرز وجوهه. فقد أعاد ضبط زمن الأغنية مختزلاً مدّتها إلى ما بين عشرٍ و16 دقيقة، بعد أن كانت تتراوح بين 20 دقيقة وساعة كاملة.
ومع أعمالٍ مبكرة مثل يا ريتك معايا (1974) ثم كده برضه يا قمر (1975)، دخل مرحلة تثبيت الهوية مقدّماً نموذجاً للأغنية الرومانسية الخفيفة التي تجمع بين الشعبية والعمق، وتخاطب جمهوراً أوسع من دون التفريط بالقيمة الفنية.
في هذا السياق، يمكن اعتباره حالةً مستقلة في مرحلةٍ أعقبت نجومية أسماء مثل محمد رشدي ومحرم فؤاد، إذ نجح في ملء فراغٍ كان يتطلّب صوتاً يجمع بين الرهافة والانتشار.
في بيروت تحديداً، ارتبط صوت هاني شاكر بذاكرة الحرب وما بعدها، إلى
ارسال الخبر الى: