وطن الدم المسكوب
نزيف الجرح ينقطع بعد دقائق معدودة، فيلتهب ويكمل طريقه نحو الالتئام، ليبرأ ويعود كما كان. ولكن المفجع أنّ جروحنا لم ينقطع نزيفها ولم تلتئم بعد. كاد أن يمضي عليها عقد ونصف، وما زال الدم مسكوبًا، يملأ السهول والحقول والوديان والبوادي والجبال، بين السنابل وتحت الأشجار، حيث أنباء الموت تتوالى أمام أعيننا كلما أضاءت عليها شاشات هواتفنا. تضيء بفاجعة طفل فقير يلتقط حبّات قمح في الرقة، أو فتى يحمي حقله في دير الزور، أو شاب أعزل بقميص ممزّق يجمع أوراق الغار في اللاذقية، أو طفلة حافية في طريقها إلى الرعي مع والدها في حماة، أو نساء شددن مآزرهن من الجوع، يحملن فؤوس الفلاحة في منبج، أو مصلّين في معبدهم في دمشق.
أنباء الموت تلك قد تحظى بلحظة تعاطف قصيرة من صفحات بلادَتنا، وتمرّ مع تمرير إصبعنا على الخبر للانتقال إلى مشاهد مضحكة تسلبنا ساعاتنا، بينما اتّقدت خلف تلك القصص مواجع وأحزان ما زال أهلها يعيشونها ولم تمر بعد عليهم.
لا شك أنّ الموت والقتل قد خفّا، وعلى أمل أن تجفّ ينابيعه بعدما سقط رأس الشر والموت الأوّل فينا (النظام)، قد تناقص العدد في أنباء الموت، وأراح مذيع الأخبار من التلكّؤ في قراءة العدد والمعدود، فقد كانوا يذكرون الراحلين بالمئات والعشرات، وها قد دارت دورة الآحاد، ومع ذلك فإنه موت، إنه النزيف الذي كان حادًّا فانخفض، ولكنه لم ينقطع، وإن كان فردًا واحدًا في اليوم، فهو موت وفقد وحزن، وعسى هذا الفرد إِن قُدِّر له أن يُذكَر فليُذكَر في سلسلة منقطعة من الأيام لا متوالية، فعسى أن ترحمنا الأقدار، فلا يكون خبرنا فردًا كل يوم، فليكن في أسبوع، وبعد الأسبوع في شهر، وبعد الشهر في فصل، إلى أن ينقطع النزيف ونبدأ بِعَدِّ الأفراد الذين يولدون لا الراحلين.
هذا الجرح الغائر نزف كثيرًا، وآن له أن يتوقّف، فقد نهب من الأطفال أحلامًا صغيرة، فما جريمة فتى يجمع حبّات قمح متساقطة من أكياس في شاحنة نقل، يجمعها ليقايضها بشيء لا يملك ثمنه قد اشتهاه
ارسال الخبر الى: