سام برس وزير المالية يحيل أزمة المرتبات إلى السماء

بقلم/ يحيى محمد القحطاني
في مشهد يعكس انفصالاً صارخاً عن واقع الموظف اليمني، سُئل وزير المالية عن أزمة المرتبات التي قسمت الموظفين إلى ثلاث فئات: فئة(أ) نخبة كبار المسؤولين يتقاضون رواتبهم شهرياً بانتظام؛ فئة(ب) وهم الأغلبية واعتقد انهم مثلي لا يستلمون سوى نصف راتب كل خمسة أشهر؛ فئة(ج) من يحصلون على حوافز إضافية من جهاتهم.
فجاء رد الوزير صاعقًا: ما يخلق المعدوم إلا الله. هذه ليست عبارة عابرة، بل اختزال لمنهج كامل في إدارة الأزمة: إحالة المسؤولية إلى السماء بدل تحملها.
وكأن الخزينة خارج نطاق القرار، أو أن موارد الدولة قدرٌ نازل من السماء لا دخل للإدارة فيه. هذا التبرير يعيد إلى الأذهان المثل الشعبي اليمني: عنزة ولو طارت، حيث الإصرار على المكابرة مستمر رغم انهيار مبرراته أمام معاناة الناس.
هكذا يتحوّل الراتب، شريان حياة ملايين الأسر، من حقّ مكتسب إلى منحة مؤجلة على البعض. موظف يعيش مع أسرته على قيد الجوع، ينتظر نصف راتب كل خمسة أشهر -إن وصل- فيما تُصرف رواتب وحوافز كبار المسؤولين شهرياً وبانتظام. معادلة مختلة تختصر المشهد: الأقوياء يتقاضون، والضعفاء ينتظرون.
أزمة المرتبات في اليمن لم تعد عارضاً مالياً، بل جرحاً غائراً في جسد الدولة. الملايين ينتظرون استحقاقاً بديهياً، هو ثمرة أعمارهم ووظائفهم، لا منّة ولا إحساناً. القضية ليست في عبارة قيلت، بل في مسؤولية تُرحَّل. فالدولة لا تُقاس بالخطب، بل بقدرتها على إدارة موارد الدولة وترتيب الأولويات وصون الحقوق، وفي مقدمتها الحق في صرف كامل المرتب.
وظيفة وزير المالية ليست توصيف العجز باسم الدين أو القدَر، بل البحث عن حلول. الإدارة علم وفن وتخطيط وعدالة. أما وصف الواقع بأنه معدوم فليس سياسة، بل تبرير للعجز.
والسؤال المشروع: هل هو اعتراف بالعجز أم إصرار على رواية لا تُقنع من ينتظر قوت يومه؟
العدالة تقتضي أن تكون الأولوية لمن يعتمد على راتبه مصدراً وحيداً للعيش. والدولة العادلة تُختبر حين تحمي الأضعف، لا حين تضمن امتيازات للأقوى. انتظام المرتبات ليس مطلباً فئوياً، بل معيار صدقية أي سلطة
ارسال الخبر الى: