ورق تواليت الشخص الوحيد المستيقظ بين الجميع

103 مشاهدة
استضافت مؤسسة فوتوغرافيسكا في ستوكهولم معرضا تحت عنوان ورق تواليت TOILETPAPER في هذا المعرض يواجه الزائر مشهدا غير مألوف يتمثل في مسبح ضخم ممتلئ بآلاف من الموز البلاستيكي وجدران تغطيها صور مبهجة وصادمة الصور هنا ليست خدعة فوتوشوب ولا لعبة بصرية صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي بل إنها جزء من المعرض الذي يقدمه الثنائي الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان أحد أكثر الفنانين شهرة في العالم المعاصر وبيرباولو فيراري المصور الذي عرف بقدرته على تحويل أبسط المشاهد اليومية إلى صور مشبعة بالسخرية الاثنان أسسا عام 2010 مجلة ورق تواليت لتكون مشروعا بصريا خارجا عن المألوف يواجه ما اعتبراه آنذاك جمود العالم الفني المحافظ ومنذ ذلك الحين تحولت المجلة إلى علامة فارقة في الثقافة البصرية إذ تجمع بين لغة الإعلانات المبهجة والسخرية اللاذعة يصف كاتيلان تجربة الدخول إلى المعرض بأنها تشبه الدخول إلى أفضل حفلة في حياتك لكنك بعد قليل ستكتشف أنك الشخص الوحيد المستيقظ وسط الجميع فعلى امتداد القاعات يتنقل الزائر بين مشاهد تتراوح بين الطرافة والصدمة إذ تمتلئ الصور بألوان صارخة وديكورات مبالغ فيها وأجساد وأشياء موضوعة في تكوينات تشعر المتلقي بالدهشة والارتباك في آن لكن ما يبدو للوهلة الأولى فوضى بصرية يخفي وراءه مقصدا فنيا واضحا وهو كسر كل القواعد الجمالية المألوفة وترك الزائر يواجه الصور من دون دليل أو شرح فالمعرض لا يقدم هنا نصوصا تفسيرية ولا يفرض على الجمهور معنى محددا كما أن كل مشهد مفتوح على احتمالاته الخاصة المعرض ليس مجرد ألعاب بصرية للترفيه بل محاولة لطرح أسئلة حول ثقافة الصورة اليوم ففي الوقت الذي تسود فيه الصور الرقمية والفلاتر المعدلة والتجارب الافتراضية يصر الثنائي على صناعة كل عنصر بأيديهم في الاستوديو بميلانو من الفواكه البلاستيكية إلى الخلفيات المرسومة مرورا بأدق التفاصيل لا وجود هنا للحيل الرقمية أو البرامج الذكية في هذه الأعمال بل هناك رهان على الحرفية اليدوية التي تذكر بجذور التصوير والإعلان ولعل هذا الإصرار على الواقعي المصنوع يضع المشروع في مواجهة مباشرة مع الثقافة البصرية المعاصرة التي تتسارع فيها عمليات التعديل الرقمي حتى تفقد الصورة معناها الأصلي هنا تصبح السخرية أداة مقاومة والصورة المصطنعة وسيلة لفضح الصور المصقولة التي يضخها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لا يخلو المعرض في الحقيقة من طابع عبثي لكنه يطرح نقدا لاذعا لعصر الاستهلاك فتختلط المتعة بالابتذال والبهجة بالتفاهة المسبح المليء بالموز قد يبدو مشهدا مضحكا لكنه يذكر في الوقت نفسه بفكرة الوفرة المبالغ فيها والإغراق السلعي الذي لا يخلو من عبث كذلك فإن التكوينات البصرية الغريبة تدعو المشاهد إلى التساؤل هل نحن أمام احتفال بالحياة أم محاكاة ساخرة لانهيار القيم البصرية يشير اسم المجلة التي أسسها الثنائي الإيطالي ورق تواليت إلى فكرة الاستهلاك السريع للصورة كأنها شيء مؤقت يختفي بعد لحظة واليوم يحول المعرض هذه الفكرة إلى تجربة متحفية فتستحضر صور المجلة إلى فضاء ثلاثي الأبعاد وكأن المجلة التي اعتاد الناس على طيها ورميها بعد مطالعتها قررت أن تنقلب على نفسها وتصبح عالما قائما بذاته كما أن اختيار مؤسسة فوتوغرافيسكا وهي من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في الفوتوغرافيا والفنون البصرية ليس صدفة فالمؤسسة عرفت بفتحها الأبواب أمام المشاريع الجريئة وغير التقليدية التي تتجاوز حدود الفوتوغرافيا إلى فضاءات الفن والسينما والتصميم معرض ورق تواليت يندرج ضمن هذا التوجه إذ يمزج بين روح العرض الفني والتجربة الجماهيرية ليضع الزائر في خضم احتفال بصري ملهم وغير تقليدي هو عرض يترك الزائر بين الضحك والارتباك أو بين الانبهار والشك فهو يقدم نفسه فضاء للمتعة واللعب لكنه في العمق يفتح باب الأسئلة حول معنى الفن اليوم وحدود الصورة ودور السخرية بوصفها أداة نقدية لهذا قد يخرج الزائر من هذا المعرض وهو غير متأكد إن كان قد حضر عرضا فنيا أم شارك في لعبة بصرية ساخرة لكنه بالتأكيد لن ينسى تلك الصور التي تشبه علامات استفهام كبيرة حول علاقتنا المعاصرة بالصورة والفن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح