ترك وراءه غصة بحجم وطن الطفل عبدالرحمن احترق جسده قبل أن ينضج الطعام
60 مشاهدة
الوعاء الأخير

عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية//
لم يكن الطفل، عبدالرحمن نبيل نبهان، يعرف أن الرحلة التي خرج فيها صباح الأربعاء، ستكون الأخيرة في عمره القصير.. كان الصغير ابن الخمس سنوات يستيقظ كل يوم على همسات الجوع في بطون شقيقاته، وعلى تنهيدة أمّ تتقن فنّ الصبر وهي تقسم ما تبقّى من الخبز اليابس على عدد من الأفواه الجائعة.
في ذلك الصباح، كثر الحديث في مدرسة بنات المفتي في مخيم الشاطئ في غزة، التي تحوّلت إلى مركز إيواء، عن “تكية” ستوزع الطعام على النازحين في الساحة.. الفكرة بدت كبيرة بالنسبة لطفل في سنّه، لكنها كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة له ولعائلته.. قال في نفسه: “بجيب لهم أكل… يمبسطوا”، لكن القدر.. بمعناه الحقيقي والمجازي، كان يغلي في انتظاره.
حين يتحول توزيع الطعام إلى مذبحة صامتة
عبدالرحمن، الذي لم يذهب للمدرسة قط للتعلم والدراسة، خرج من الصف الذي تنام فيه العائلة منذ شهور، حافي القدمين كعادته، يحتضن إناءً بلاستيكيًا صغيرًا، سار بين الجموع، تزاحم مع المئات.. أيدٍ ممدودة، أجساد تدفع، وجوه شاحبة تتزاحم على وجبة.
وفي لحظة تدافع مؤلمة، فقد عبدالرحمن توازنه.. لم ينتبه أحد لطفل صغير ضاع بين الأرجل، وسقط في القدر الكبير الذي يغلي فيه الطعام.. صرخة واحدة مزّقت ضجيج الجوع، لحظة واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تحوّل جسده الغضّ إلى ورقة محروقة.
هرع البعض لإخراجه، لكن اللهب كان أسرع.. حمله أحدهم وهو يصرخ ويتلوّى، يبحث عن يد تطفئ النار أو صوت يطمئنه.. نُقل إلى مستشفى الشفاء، لكن الحروق التي التهمت 70 % من جسده، قد أكلت جلده وعينيه وملامحه.
مرارة العجز
عبدالرحمن أصيب بحروق بالغة من الدرجة الثالثة، لم تنفع معها محاولات إنقاذه وسط شحّ الدواء وانعدام العناية الطبية، فلفظ أنفاسه بعد ساعات في مستشفى الشفاء، الذي يضيق يوميًا بجثث الأطفال وآهات الأمهات.
في غرفة الطوارئ، وقف والده، نبيل نبهان مذهولًا، أمام جثمان ابنه المسجّى، يتصبب عرقًا ودمعًا، لم يقل شيئًا، فقط انحنى على وجه طفله الذي بالكاد يُرى،
ارسال الخبر الى: