ما وراء الحدود واحتلال العقول
أثبتت التحوّلات الجيوسياسية المُتسارعة في القرن الحادي والعشرين أنّ الحدود الترابية لم تعد هي المعيار الوحيد. فالطائرات والصواريخ قادرة اليوم على اختراق الأجواء، لكن الخوارزميات والسرديات الموجّهة تخترق العقول.
نحن نعيش اليوم مرحلة الاستعمار غير المرئي، إذ لم يعد الهدف هو الاستيلاء على الموارد الطبيعية فحسب، بل الاستيلاء على البيانات الضخمة التي تشكّل وقوداً لمحرّكات التحكّم في السلوك البشري.
إنّ الانتقال من الحروب الصلبة إلى الحروب المعرفية يمثّل انقلاباً في مفهوم القوّة. فالمواجهة لم تعد تتطلّب بالضرورة تدمير البنية التحتية للعدو، بل يكفي تعطيل نظام التفكير لديه. من هذا المنطلق ، تبرز الحرب المعرفية كأخطر أسلحة العصر، لأنها تستهدف العقل كجهاز معالجة للمعلومات، فتسعى لتضليله، وتشويه إدراكه للواقع، مما يؤدي في النهاية إلى شلل في اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي، وتحويل المجتمع من كتلة متماسكة إلى شظايا مُتناحرة تتصارع حول أوهام رقمية.
لم يعد الانتصار الحقيقي يتحقّق برفع علم فوق ركام مدينة، بل بزرع فكرة في عقل إنسان
لقد استحدثت الاستراتيجيات العسكرية الحديثة ما يسمّى بـ الميدان السادس، وهو ميدان الوعي الذي يتجاوز الأبعاد الخمسة التقليدية (البر، البحر، الجو، الفضاء، والتقنيات السيبرانية). هذا الميدان لا يعترف بالحدود السيادية للدول، بل ينفذ إلى أعمق نقاط الوعي عبر تطبيقات الهواتف الذكية ومنصّات التواصل الاجتماعي. في هذا الفضاء، يجري استخدام الخوارزميات لتوجيه الغضب الشعبي، أو صناعة اليأس المُمنهج، ممّا يجعل الجماهير أدوات في يد قوى خارجية من دون وعي منها. إنّ القوة في هذا العصر لا تقاس بما تملكه من ترسانة عسكرية، بل بما تملكه من قدرة على هندسة الإدراك وصناعة المعنى وتوجيه الانتباه.
وعلى صعيد الجيوبوليتيك، انتقل الصراع الدولي من التنافس على الممرّات المائية والمضايق إلى التنافس على ممرات البيانات ومراكز تخزين السحب الإلكترونية. إنّ من يمتلك المعلومة يمتلك القدرة على إعادة صياغة هُويّة الدول الأخرى. وهو ما يُطلق عليه اسم الاستلاب الرقمي، إذ تصبح الثقافة والقيم عرضة للتآكل أمام قيم المنصة التي تفرضها القوى التكنولوجية العظمى.
إنّ النزاع القادم بين الأقطاب الدولية
ارسال الخبر الى: