في وداع طبيب الأمة الصومالية
المفكر الحقيقي هو الذي يكتب بحثاً عن الحقيقة، مهما كانت مرارتها وقسوة نتائجها، وليس من يكتب لدغدغة عواطف الجماهير وإرضاء العامة. فالمعرفة لعنة، ووحدهم الجهلة ينامون بسلام، كما كان يقول كافكا. وهذه حقيقة مرّة بالفعل عند المفكر وخط سيره المعرفي، إذ تفترض المعرفة دائماً مخاطرةً في البحث عن الحقيقة التي قد لا تتوافق بالضرورة مع تصورات بعضهم ومعتقداتهم. لذا المعرفة حملٌ ثقيلٌ يرهق حامليه، وقد يصنع لحامله حواجز مع الناس ومن حوله. وإلى هذا النوع من المفكرين الاستثنائيين والإشكاليين تنتمي شخصية المفكر والكاتب والأديب الصومالي الكبير، علي جمعالي أحمد الذي توفي في الأول من إبريل/ نيسان الجاري 2026 عن عمر ناهز 71 عاماً، قضى معظمها في الغرب الأميركي طالباً وباحثاً وأستاذاً زائراً ومحاضراً في عدة جامعات أميركية، منذ منتصف الثمانينيات، وظل مساره النقدي الدائم يحمّل الاستعمار جزءاً كبيراً من مشكلات المجتمعات المستعمَرة.
ومثلما كان يرى أن المستعمر كان عاملاً مهماً في مشكلات مجتمعات ما بعد الاستعمار، إلا أنه لم يتوانَ عن توجيه النقد الصارم نفسه إلى التراث والسرديات التاريخية شعراً ونثراً، تلك التي قدّمت في لحظة ما تاريخاً غير دقيق، وأوجدت أساطير وتعاملت معها حقائق ومسلّمات في ما يتعلق بالأمة والهوية والدولة الوطنية والقومية، وغيرها من مفردات المرحلة التأسيسية للدولة ما بعد الاستعمارية.
ولهذه الأفكار النقدية الحادّة والصادمة أحياناً، لم تحظَ أفكار الرجل بأي ترحيب، بل ثار ضدّها سيل من الاتهامات والتبخيس والتحقير. مع أن وجهة نظره لم تكن ذات أبعاد سياسية محدّدة بقدر ما كانت أفكاراً نقدية مجرّدة يفكك بها الكثير من الأقوال والمسلمات في الشعر والنثر والحكايات والروايات والأساطير الشفهية المؤسّسة داخل بنية المخيال الشعبي الاجتماعي الصومالي.
ومن هذا المنطلق، جاءت معظم كتب علي جمعالي أحمد وأعماله، وكأنها ضمن مسار فكري واحد، يكاد يكون مشروعاً فكرياً ناظماً لاشتغالاته الفكرية والأدبية والبحثية. صدرت هذه الأعمال في عدة كتب وروايات ودواوين شعرية، وكلها تركز حول نظرية نقدية واحدة، يمكن القول إنه ينفرد بها، وهي ما يمكن تسميتها المدرسة التعديلية الصومالية
ارسال الخبر الى: