وداع قائد استثنائي وشهادة على تحولات صنعت ملامح المنطقة

لا يُودِّعُ التاريخُ قائداً في ساعةِ رحيلِه، بل يبدأُ -في الأغلب- كتابةَ الفصلِ الأكثرِ تعقيداً من سيرتِه بعد غيابِه. ومِنْ هذا المنطلق، حين تقفُ الأممُ على أعتابِ رحيلِ كبارِها، لا تودِّعُ أشخاصاً فحسب، بل تختبرُ وعيَها الذاتيَ، وتعيدُ قراءةَ مسارِها، وتستشرفُ آفاقَ مستقبلِها.
في هذا السياقِ تحديداً، يأتي وداعُ آية الله الإمام السيد علي الخامنئي ليكون أكثرَ من مجردِ حدثٍ انتقاليٍ في مسيرةِ دولةٍ أو جماعةٍ؛ إنه لحظةٌ فارقةٌ في وعيِ أمةٍ بأكملها، وعلامةٌ على انقضاءِ مرحلةٍ زاخرةٍ بالتحولاتِ في أشدِّ أقاليمِ العالمِ تعقيداً واضطراباً. فمهما تباينتِ المواقفُ من تجربتِه، واختلفتِ القراءاتُ لإرثِه، يبقى السؤالُ المحوريّ: كيف نقرأ حضورَ هذا الرجلِ في تشكيلِ ملامحِ المنطقةِ خلال العقودِ الأربعةِ الأخيرةِ؟ وما الدروسُ التي يمكنُ استخلاصُها من مسيرتِه في بناءِ الدولةِ وإدارةِ الصراعِ وطرحِ الرؤيةِ الحضاريةِ البديلةِ؟
شخصيةٌ استثنائيةٌ في مكانٍ وزمانٍ استثنائيين
وما يميّزُ شهيدَ الأمةِ السيدَ عليَّ الخامنئي عن نظرائِه من قادةِ العالمِ المعاصرِ، أنه جمعَ في شخصيتِه أبعاداً متعددةً، نادراً ما تجتمعُ في قائدٍ واحدٍ؛ فهو المرجعُ الدينيُّ الذي يحملُ رايةَ الاجتهادِ الفقهيِّ والأصوليِّ، وهو القائدُ السياسيُّ الذي تولى أرفعَ منصبٍ تنفيذيٍ في نظامِ الولايةِ الفقهيةِ، وهو -فوقَ ذلك- الرمزُ الثوريُّ والإيديولوجيُّ الذي ظلَّ، طوالَ عقودٍ، الوجهَ الأكثرَ جرأةً في مواجهةِ الإمبرياليةِ والهيمنةِ الغربيةِ؛ ليس في خطابِه فحسب، بل في أفعالِه وقراراتِه وتوجيهاتِه الاستراتيجيةِ.
وهذا الجمعُ النادرُ بين الأدوارِ الثلاثةِ -الديني، والسياسي، والثوري- يشكّلُ ظاهرةً قلَّ نظيرُها في العصرِ الحديث، حيث انحسرتْ معظمُ القياداتِ في أحدِ هذه الأدوارِ، بينما استطاعَ الخامنئي أن يحافظَ على توازنٍ معقّدٍ بينها، ويترجمَ كلاً منها في سياقٍ عمليٍّ يمسُّ واقعَ الناسِ ومعاشَهم. ومن هنا، حين نتحدثُ عن وداعِ الخامنئي، فإننا نتحدثُ عن وداعِ نظامٍ قائمٍ بذاتِه، وعن منظومةٍ فكريةٍ متكاملةٍ، وعن مشروعٍ سياسيٍ تجاوزَ حدودَ الزمانِ والمكان، ليُقيمَ في ضميرِ ملايينِ البشرِ على امتدادِ العالمِ الإسلاميِّ وخارجه.
فلسفةُ المقاومةِ بين النظريةِ والممارسةِ
وإذا كان ثمّةَ مفتاحٌ لفهمِ فكرِ الخامنئي السياسيِّ، فهو مفهومُ “المقاومةِ” بوصفِه
ارسال الخبر الى: