حين يرسم الألم خرائطه هكذا وصف الفنان الفلسطيني مروان نصار معرضه أن تنجو لتشهد الذي يوثق معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة وقد افتتح في غاليري باب الدير في رام الله السبت 23 أغسطس آب بالشراكة مع المنصة الرقمية المستقلة آرت زون يعرض الغاليري نحو 60 لوحة لنصار من أصل 400 رسمها الفنان بحجم صغير لتسهيل نقلها عند النزوح لتكون شاهدة على جرائم الاحتلال في قطاع غزة منذ العام 2023 فتوثق اللوحات التقاطات الفنان لمشاهد لأهالي غزة خلال معاناتهم اليومية كما تحمل في تفاصيلها رموزا مختلفة من بيئة قطاع غزة كعلم فلسطين والبحر والقارب والصيادين والدواب التي تستخدم للتنقل وفي زاوية خاصة يركز الفنان على وجوه الناس معنونا اللوحات بـليست وجوه بل مشاعر في حديثه لـالعربي الجديد يؤكد نصار 41 عاما أن معرضه أن تنجو لتشهد ليس مجرد مشروع فني بل امتداد لتجربة حياتية يعيشها بكل تفاصيلها خلال الحرب معتبرا أن هذا المعرض تجربة منفصلة عن ممارساته الفنية السابقة فرضتها ظروف سياسية واجتماعية قاسية أمارس الرسم اليومي كفعل إصرار ونجاة كمن يطرق الخزان كي لا يختنق بالصمت أصبح الفن بالنسبة لي أحد أشكال المقاومة والمسؤولية الاجتماعية كوني جزءا من مجتمع يرزح تحت هذه الظروف يضيف نصار كما يرى نصار أن هذا المعرض من أهم محطاته الفنية لما يحمله من قصص الوجع المتراكم الذي سكن داخله بوصفه فنانا وإنسانا تأثرا بمحيطه اليومي يقول نصار المعاناة التي نعيشها ليست حدثا عابرا بل زلزال أعاد تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية من جذورها وغير تفاصيل حياتنا اليومية حكايات من الألم والقلق والخوف يرى نصار أن مسؤولية الفنان تضاعفت خلال الحرب إذ عليه أن يلتقط اللحظة التاريخية ويعيد صياغتها فنيا بما تحمله من ألم وارتباك ودهشة مؤكدا أن الفن ليس ترفا وأن الفنان ابن بيئته فلا يمكنه الانفصال عما يمر به مجتمعه نتيجة لذلك حالت حرب الإبادة دون استكمال مشروع فني خطط له نصار مسبقا بعنوان روايات الأمكنة حول الهوية والذاكرة الجمعية الفلسطينية والمرويات التاريخية التي عرفها الشباب الفلسطيني من خلال كتب التاريخ فتبدلت أولويات نصار الفنية وصارت الحرب موضوع لوحاته يصف لنا نصار هذا التحول في مسار إنتاجه الفني لم تعد التجارب الشكلانية والبحث في تقنيات التعبير غاية بحد ذاتها وجدت نفسي منصرفا إلى إعادة سرد ما أراه وأعيشه متوغلا في تفاصيل الألم المحيط بي أتابع الأخبار والصور لا بدافع الفضول بل لأشعر بالوجع وأعيد صياغته بصريا لقد أصبحت الحرب مادة دسمة لدراسة البعد الإنساني وتفحص هموم الناس الذين تقرأ في عيونهم وحركاتهم العشوائية في الأسواق والشوارع حكايات من الألم والقلق والخوف فالجميع ينتظر دوره ليكون ضمن قوائم الشهداء ومن ناحية أخرى يصف نصار الرسم اليومي بما هو طقس نجاة شخصي يلتقط فيه اللحظة ويفرغ طاقته بعفوية وصدق فازدادت كثافة ضربات فرشاته وأصبحت ألوانه أكثر جرأة وفوضى لم تعد التكوينات تقليدية بل انبثقت من اللحظة كصرخة بصرية يضيف نصار هندسة الموت يعنون نصار التحول في مساره الفني بالتوازي مع تصاعد وتيرة الحرب بـ هندسة الموت تلك المرحلة التي تنقل فيها نصار ما بين الرسم السريع بالفرشاة وبين أقلام الفحم التي أنجز بها عشرات الرسومات التي يصفها بـخرائط لذاكرة مثقلة ويؤكد أنها قادته لنضج بصري أعمق وفهم أوضح للمسار الذي تسلكه تجربته على حد تعبيره لعبت عوامل عدة أخرى في تغيير المسار الفني لنصار فالحرب لم تغير المفاهيم فحسب بل دمرت البنية التحتية بالكامل مما أدى إلى شح الموارد الخاصة بالرسم الأمر الذي دفعه للبحث عن البدائل من خامات بسيطة وإعادة تدوير المواد للاعتماد عليها في إنتاج اللوحات فاستخدم نصار ما توفر لديه من مطبوعات وأوراق وأبحاث ومواد أرشيفية قديمة فصارت جزءا من اللوحة وتحولت برأيه إلى بعد رمزي يعبر عن حالة الطمس التي تتعرض لها هوية المكان يضيف نصار اعتبرت كل كلمة مطبوعة على هذه الأوراق بمثابة سردية تمثل عنصرا من عناصر غزة التاريخية وكأنني أحمل كل حرف عبئا ذاكراتيا وثقافيا كما يؤمن نصار أن الممارسة الفنية تشكل فعلا يؤكد الهوية والوجود فبرأيه سواء قرئ العمل من زاوية فردية مرتبطة بالفنان وحده أو من زاوية جمعية تعكس صدى بيئته ومجتمعه يبقى الفن شاهدا على اللحظة الإنسانية وجسرا يصل بين الذاتي والجمعي بإمكانات محدودة استطاع نصار إنتاج هذه اللوحات وتصويرها بكاميرا هاتفه بأعلى جودة ممكنة لتنقلها منصة آرت زون وغاليري باب الدير للجمهور في الضفة الغربية المحتلة بأفضل تقنيات الطباعة لتكون نسخة متقنة عن الأصل متجاوزين الحصار والحرب وإجراءات الاحتلال التعسفية