يتحول فيلم واهب الحرية إنتاج جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1989 للمخرج العراقي قيس الزبيدي من وثيقة عن المقاومة إلى مقاومة بالوثيقة تنضوي حكما تحت المسمى الأشمل السينما التسجيلية هكذا ينبغي أن ينادى هذا النوع السينمائي بوصفه الهوية الأوفى عند الزبيدي 1939 2024 أحد أبرز المنافحين العرب عن التسجيل لأن من يسجل يبدع ذاتيا موظفا الوثيقة والخيال والحركة الحية والمونتاج لتبدو الأشياء دائما من زاوية غير محايدة حتى لو كان الهدف مادة صلبة ثابتة فإن وقوفنا أمامها هو التسجيل مرت يوم 16 من الشهر الحالي الذكرى الثالثة والأربعون لتأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جمول بعد أيام من عرض فيلم واهب الحرية في بيروت وهي النسخة المرممة والمرقمنة على يد جمعية نادي لكل الناس التي تأسست عام 1998 وأحد انشغالاتها الرئيسية ترميم الأعمال الفنية فقد تعرض الفيلم الأصلي المشغول على شريط 16 ملم إلى بعض التلف لظروف عديدة من بينها لربما التخزين غير الملائم وبعد إعادة تأهيله تولت الجمعية تقديمه إلى العالم العربي وخارجه اعتبارا من العام الفائت آخر عرض نحن بصدده هو الذي كان الأسبوع الماضي في مبنى جريدة السفير المتوقفة منذ 2016 في شارع الحمراء البيروتي بالشراكة بين الجمعية والشبكة العربية لأفلام حقوق الإنسان أنهار ومهرجان كرامة بيروت ومهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان عمان يسمح اللقاء مجددا مع ثمانينيات القرن الماضي باستعادة ذروة من ذرى التاريخ العربي المعاصر عند لحظة بلغت أقصى شدتها واكتمالها وغالبا يد جبهات أقل من الدولة العربية التي تخاصمها وجوديا بينما العدو دولة وظيفية مكتملة الأركان مشدودة الأوتار وعلنا من طراز وظيفي وأفتخر نحن لا نعيش التسلسل الزمني العابر أمامنا في تلك الثمانينيات بل تحديدا من فرط الفرادة نطيل التأمل في وجوه بسيطة وشجاعة حتى إن الواحد قد يغني مقطع درويش مارسيل من أي جاؤوا في أغنية في البال أغنية من أي جاؤوا والمقصود هم أولئك لقد كانوا شيوعيين ومسلمين ومسيحيين وقوميين وناصريين وعاديين ترى في ملامحهم كل الذين لم يقبلوا البتة المساومة على اسم العدو ولا إعادة تعريفه قبل كل هذا وبعده المساواة في التضحية والمبادرة بين الجنسين كان صارخا ذلك الرعد وساطعا ذلك الشهاب قبل ذبول جمول مطلع التسعينيات لأسباب لا طائل الآن من الخوض فيها ولا مربح الشهداء خالد علوان وبلال فحص والفتى نزيه قبرصلي وسناء محيدلي ولولا عبود ووفاء نور ومخايل حنا إبراهيم وغيرهم يمرون في شريط ريبورتاجي أفقي القطع لا يحفر عموديا ما يكسب الفيلم جوهريته التسجيلية إنه يزجي التحية ويعطي الأمثولة ويستعيد حقه في الذاكرة الجماعية فمن يملك ذاكرته يملك حلمه ننتبه إلى الرزنامة على سبيل التقدير الزماني نرى عملية الويمبي في شارع الحمراء بعد أسبوع من إعلان جورج حاوي أمين عام الحزب الشيوعي بيان انطلاق جمول يوم 16 سبتمبر أيلول 1982 نرى محاولة اغتيال العميل أنطوان لحد التي نفذتها سهى بشارة يوم 17 نوفمبر تشرين الثاني 1988 بينهما نرى نزيه قبرصلي فتى صيدا وهو يقتل الجنود الإسرائيليين ويستشهد حتى نرى ما يمكن لنا استعان المخرج التسجيلي بمشهد روائي من فيلم معركة للمخرج روجيه عساف بينما كاميرا المصور حسن نعماني تسجل شهادة الوالد وهو يحكي كيف استل نزيه ابن الأربع عشرة سنة الكلاشينكوف وهجم على العدو استعان الزبيدي أيضا بلوحات تشكيلية للفنان شربل فارس 1952 الملتزم سياسيا جميع الصور نبتت من اللحظة المتفجرة ألوانا وأحبارا ووجوها وعلى كل صورة أن تنجو وتعبر الزمن على كل الأبطال ألا يسقطوا من الألبوم لا يعود الفيلم تسجيلا إلى لحظة تاريخية في سياق مقاومة العدوان إنما هو تمرين بصري على استعادة الذاكرة عبر طبقات متوازية الأرشيف الصحافي والشهادات المباشرة ومشاهد من فيلم روائي والفن التشكيلي ولعل فكرة الترميم ذاتها فعل مقاوم بغية استعادة فيلم في هذه المرحلة كونه تمثيلا رمزيا وجماليا لزمن لم يبدأ من الصفر إن الدليل على الوجود الحي لفكرة هو إمكانية حضورها من جديد بقوتها الذاتية وبسلالة الابن والحفيد الوفيين لحاضنة اجتماعية بأطيافها لا طوائفها إنه يقترح في البدء أن نقرأ قصيدة بول شاوول ونأخذ منها عنوان الفيلم واهب الحرية يحفظ يديه واهب الحرية يحفظ صرخته كي يمتزج بولادات جديدة هذه ليست تسمية شعرية هذه بوصلة تأويل القصيدة تعرف الحرية فعلا استمراريا كأنها ولادة لا تنقطع وتمنح المتلقي إحساسا بأن المقاومة ليست حدثا طارئا أو ظرفيا إنما هي موروث يتجدد وصوت جماعي يحيا في الأجيال يمكن الدخول إلى الفيلم من باب المونتاج الأفقي الذي يحوله إلى خريطة للمقاومة بتضاريسها المتنوعة أكثر منه سردية لا بل إن المونتاج هو الحكاية كل لقطة على هذه الخريطة نقطة وحركة الكاميرا المونتاج ترسم الخطوط التي تصل بين هذه النقاط وعليه قد يجوز مقاربة المونتاج الأفقي بالجذمور الدولوزي حيث تشعبات متصلة من الوثائق والصور والمقابلات لا تبحث عن عمق واحد بل عن اتساع يضم الذاكرة بأكملها نعم لا يوجد حفر عميق تحت شجرة سردية واحدة ثمة مرور بلقطات في غالبها المطلق متوسطة أو أوسع قليلا فيما يعرف باللقطة الأميركية لتنضم كلها إلى متن حيوي ظهر فيه المونتاج بنية وعي لنا أن نقرأ ما قاله المخرج السوري محمد ملص 1945 عن صديقه في كتابه قيس الزبيدي الحياة قصاصات على الجدار الصادر عام 2019 فالمونتاج عند الزبيدي ليس تقنية سينمائية هو العمود الأساسي في تشكل وعيه هذا يفسر لماذا لا يكتفي بالقطع الأفقي التسجيلي الصرف ويحتاج لإدخال اللوحات والمقاطع الروائية والمونتاج بوصفه رؤية للعيش وللحياة يعني أن الواقع نفسه مركب متعدد الطبقات يحتاج لأكثر من منظور واحد لفهمه الحياة نفسها مونتاج من الحقيقي والمتخيل من الذاكرة والحلم من الوثيقة واللوحة إشارة ملص إلى أن المونتاج أصبح مصدر قراءات الزبيدي الكثيرة عن السينما وعن غيرها من القراءات الأدبية والفكرية تكشف عن منهج هذا المخرج وهو جزء من نسيج ثقافي أوسع يشمل الأدب والفكر والفن التشكيلي وبالتالي لا يقرأ السينما باعتبارها جزيرة منعزلة الفيلم يعلمنا أن الهوية هي ما نصنعه بالمونتاج الواعي لتجاربنا وانتماءاتنا لا ما نولد به وعلينا أن نتذكر أن قيس الزبيدي لا يوصف إلا بسطر من الصفات المخرج الكاتب المونتير المصور حتى جنسيته وهو العراقي تمددت إلى السورية والألمانية والفلسطينية التي قدم لها 12 فيلما منح الجنسية الفلسطينية عام 2015 كل هذه التعددات إذا كان هناك ما يوحدها فهو المونتاج ليس تقنية بل طريقة في الوجود هو الذي يسمح بالتعدد من دون تشتت بالاختلاف من دون تناقض بالحركة من دون فقدان الجذور من بغداد إلى دمشق إلى برلين الشرقية إلى بيروت حمل الزبيدي معه الرؤية عينها أن الحقيقة أكبر من أي إطار واحد وأن المقاومة أوسع من أي جغرافيا محددة وأن الفن الحقيقي هو الذي يجمع دون أن يختزل وهكذا يتحول فيلم عمله عام 1989 إلى وثيقة حية عن حاضر مستمر لا عن ماض منته على أهمية التسلسل فإن الفيلم يصلح أن يبدأ من خاتمته مثلا من دون أن يفقد معناه إذ كل شيء متصل بكل شيء والمعنى ينبثق من التجاور وليس من التتابع حين مدت المقاومة في لبنان يدها لانتفاضة الحجارة في فلسطين عام 1987 أعلنت ذلك في بيان واضح والمخرج لم يفوت اللحظة الدالة فكانت آخر اللقطات مع مارسيل خليفة وقصيدة خليل حاوي 1919 1982 يعبرون الجسر في الصبح خفافا أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد من كهوف الشرق من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد هكذا يتوزع واهب الحرية على مستويين متكاملين مستوى الحقيقة التاريخية التي تنقلها الوثائق ومستوى الحقيقة الشعورية حين يمنحها الخيال الفني وفي هذا التوازن بالذات تتجلى خصوصيته ليس تقريرا صحافيا فحسب ولا قصيدة بصرية محضة إنه محاولة جريئة لكتابة تاريخ المقاومة بوصفه ذاكرة ووجدانا معا عندما ننظر إلى الفيلم اليوم فإن حريق الخرافة الاستعمارية الذي يلتهم غزة يؤكد أن الكيان طور تقنياته من القنابل الفراغية والفسفورية والعنقودية التي أسقطها على لبنان قبل 43 سنة مع تخلف عقلي سلوكي يغطي فيه الذكاء الاصطناعي المنسوب آخر أدراك الانحطاط مثلما يؤكد أن المتفرجين أمس ينجبون سلالة ستتفرج عليهم غدا