واشنطن ودمشق زيارة الشرع تفتح باب التفاهم المشروط

114 مشاهدة
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن حدثا بروتوكوليا عابرا بل لحظة فارقة أعادت رسم خريطة العلاقات السورية الأميركية بعد أكثر من عقد من القطيعة والعداء فحين ظهر الشرع إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام عدسات الإعلام في البيت الأبيض بدت الصورة كأنها إعلان رسمي لانتهاء مرحلة العزلة السياسية التي عاشتها سورية منذ اندلاع الحرب عام 2011 لكن خلف الرمزية المبهرة تختبئ أسئلة عميقة حول ما إذا كانت هذه الزيارة بالفعل بداية لشراكة استراتيجية جديدة أم مجرد هدنة سياسية مؤقتة ضمن حسابات إقليمية ودولية معقدة أول ما يلاحظ أن واشنطن لم تبد سخاء مجانيا تجاه دمشق فتعليق بعض العقوبات الاقتصادية مؤقتا لم يكن خطوة نابعة من إعادة نظر شاملة في السياسة الأميركية بل أقرب إلى اختبار سلوك مشروط بمعنى آخر تريد الولايات المتحدة أن ترى كيف سيتعامل النظام الجديد في دمشق مع ملفات حساسة مثل الوجود الإيراني ومستقبل القواعد الروسية وآليات إعادة الإعمار وموقع سورية في المعادلة الإقليمية بعد توازنات ما بعد الحرب الشرع من جهته حاول إرسال إشارات إيجابية متحدثا عن انفتاح متبادل ورغبة في التعاون ضد الإرهاب إلا أن هذه اللغة الدبلوماسية لا تكفي لإعادة بناء الثقة التي تهشمت عبر عقدين من الصراع والتجاذب الملف الإسرائيلي هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم ما وراء التقارب الجديد فالولايات المتحدة لا يمكن أن تدخل في شراكة استراتيجية حقيقية مع سورية ما لم تلمس تحولا جذريا في الموقف السوري من أمن إسرائيل ومن اتفاقات السلام المعلقة منذ التسعينيات ومن غير الواضح بعد إن كان الشرع مستعدا لتنازلات سياسية في هذا الاتجاه أم أنه يكتفي بالتماهي الخطابي مع خطاب الاستقرار الإقليمي من دون خطوات ملموسة لذا فالموقف الأميركي يبقى حذرا فيما يراقب الإسرائيليون المشهد بقلق ممزوج بالأمل لأن أي اتفاق أميركي سوري جديد قد يعيد رسم توازنات الجولان وحدود النفوذ الإيراني هناك ملف اللاجئين هو الآخر يمثل اختبارا أخلاقيا وسياسيا للشراكة الوليدة الشرع طرح رؤية لعودة طوعية آمنة مدعومة باستثمارات أميركية وأوروبية في البنى التحتية والخدمات لكن العائق الأساسي يبقى في مدى استعداد الغرب لتحمل كلفة إعادة الإعمار وفي الضمانات القانونية لحقوق العائدين فالولايات المتحدة لن تمول إعادة إعمار دولة من دون إصلاح سياسي واضح والشرع بدوره لا يريد أن تقرأ أي تنازلات داخلية كإملاءات خارجية خصوصا في سياق وطني ما زال هشا بعد سقوط النظام السابق من هنا تأتي حساسية التوازن بين الواقعية السياسية والسيادة الوطنية زيارة الشرع إلى واشنطن كانت بالفعل نقطة تحول رمزية وتاريخية لكنها ليست ضمانة لشراكة مستدامة بعد أما على المستوى الدولي فقد أثارت زيارة الشرع موجة من التوجس في موسكو وطهران فكلتاهما ترى في الانفتاح السوري الأميركي تهديدا مباشرا لنفوذهما الذي ترسخ في السنوات الماضية روسيا تعتبر أن سورية كانت حجر الزاوية في مشروعها لاستعادة مكانتها العالمية بينما ترى إيران أن أي تقارب مع واشنطن يعني عمليا تقليص نفوذها العسكري والأيديولوجي داخل سورية لذا يمكن توقع أن تحاول موسكو وطهران إعادة تموضعهما عبر صفقات أو تفاهمات موازية تحافظ على موطئ قدم لهما في دمشق ولو بثمن سياسي أقل مما كان في السابق على الجانب العربي لقيت الزيارة ترحيبا حذرا فالعواصم الخليجية التي بدأت تطبيع علاقاتها مع دمشق منذ مطلع 2025 تنظر إلى التقارب السوري الأميركي باعتباره خطوة ضرورية لضمان استقرار الإقليم ومنع عودة الفوضى لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول سورية إلى منصة أميركية جديدة تخل بالتوازن الإقليمي الذي أعادت صياغته اتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية لذلك يبدو أن العرب سيتعاملون مع هذا التحول بمنطق الانتظار والمراقبة ريثما تتضح ملامح المرحلة الجديدة من جهة أخرى لا يمكن تجاهل البعد الداخلي لهذه الزيارة فبالنسبة للسوريين هي إشارة إلى أن بلادهم بدأت تخرج من دائرة الحرب والعقوبات نحو أفق جديد من الانفتاح والتعافي الاقتصادي لكن الأمل الشعبي لا يكفي وحده فنجاح أي شراكة مع واشنطن سيتوقف على مدى قدرة الحكومة السورية على بناء مؤسسات شفافة ومحاسبة الفاسدين وتبني إصلاحات حقيقية في القضاء والإدارة والاقتصاد بمعنى آخر لا يمكن لأي علاقة خارجية أن تزدهر إذا بقي الداخل هشا ومفتقدا للثقة ختاما يمكن القول إن زيارة الشرع إلى واشنطن كانت بالفعل نقطة تحول رمزية وتاريخية لكنها ليست ضمانة لشراكة مستدامة بعد فالتحول من الزيارة إلى الشراكة يحتاج إلى زمن وإلى سلسلة من الاختبارات المتبادلة بين الطرفين الولايات المتحدة تريد سورية منفتحة وواقعية ومستقرة وسورية تريد اعترافا ودعما دون وصاية وبين هذين الطموحين سترسم ملامح المرحلة المقبلة التي قد تحدد إن كانت دمشق ستنجح في عبور الجسر بين الماضي المعزول والمستقبل المنفتح أم أن الانفراج الحالي لن يكون أكثر من استراحة قصيرة في طريق طويل ما زال محفوفا بالتحديات

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح