هندسة الجوع في غزة تاريخ التحكم بسلوك الجماعة وإرادتها
حين يفرض الجوع لا يعود مجرّد غياب للطعام، بل يتحوّل إلى هندسة قسرية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. يتهاوى المعنى الذي يحمله الجسد لنفسه، ويتحوّل الوعي إلى سباق يومي نحو اللقمة، فيغدو الجوع نظاماً للحياة، يُقاس فيه الزمن بانطفاء الأمل، وانحناءة الجسد أمام الحاجة. وعند هذه العتبة، يصبح التجويع أكثر من قمع بيولوجي؛ إنه آلة صامتة لإعادة ترسيم العلاقة بين الإنسان وسلطته، بين الجسد ووعيه، وبين الجماعة وذاكرتها.
ولا يُجوَّع الإنسان فقط ليجوع، بل ليُدجَّن، ويُرغَم على تحويل علاقته بالغذاء إلى مساحة خضوع. في أمثلة من الحاضر والماضي، من أوكرانيا السوفييتية إلى غزة المحاصرة، يظهر الجوع كمنهجية للتحطيم: يُحسب ما يدخل من طعام بالغرام، وتُقدَّر السعرات وفق الحد الأدنى للبقاء. الهدف ليس القتل، بل إبقاء الناس في حالة توازن هشّ بين الحياة والموت؛ يستهلكون، لكن لا يثورون.
سياسة ممنهجة
لا تفرغ البطون فقط، بل يفرغ التاريخ أيضاً، كما تشير عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية ماري دوغلاس، فالطعام ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل طقسٌ ومعنى، وبنية تُبنى عليها الروابط وتُنسج حولها الهويات. حين يُنتزع الغذاء من جماعةٍ ما، تُسلب منها القدرة على الشبع، وعلى تكرار الزمن، والاحتفال، وترسيخ حضورها عبر الطهي والمائدة والمشاركة. يصبح فقدان الطبق التقليدي خسارة لذاكرة، لا لنكهة، ويغدو فقدان القدرة على الطهو فقداناً للسيادة على الحاضر.
إخضاع الإرادة الجماعية دون حاجة إلى احتلال دائم
وحين تحدّث المؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر عن مجاعة أوكرانيا المصطنعة (الهولودومور) في كتابه أراضي الدم (2010)، لم يعرض الجوع كواقعة، بل كسياسة ممنهجة: كانت السلطة السوفييتية تصدّر القمح بينما ينهار الفلاحون جوعاً. ولم تكن الإبادة فقط بالتجويع، بل أيضاً بتجريد الضحايا من حقهم في السرد؛ فقد ماتوا دون أن تُكتب أسماؤهم، وبقي المجد للصورة الصناعية.
في غزة، تجاوز الحصار حدود التطويق الجغرافي أو أداة الضغط السياسي، وتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل السلوك اليومي، والخيال، وحدود التطلّع. وكما يشير المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، فإن غزة تُستخدم منذ سنوات كـمختبر لتقنيات السيطرة والعقاب الجماعي، تُجرَّب فيه
ارسال الخبر الى: