هكذا تكلم زرادشت رحلة طويلة بين الجبل والإنسان

22 مشاهدة
اخبار اليمن الان الحدث اليوم عاجل

يمنات

عبد الرحمن الربيعي

في البداية ظننت أنني سأقرأ كتابًا فلسفيًا آخر، مجموعة من الأفكار الثقيلة التي تحتاج إلى تركيز وصبر، ثم أغلقه كما أغلقت عشرات الكتب من قبل.

كنت أتوقع صفحات مليئة بالمصطلحات والتجريدات الذهنية التي تستهلك العقل أكثر مما تلامس الإنسان. غير أن الصفحات الأولى من “هكذا تكلم زرادشت” حملتني إلى مكان مختلف تمامًا.

لم أشعر أنني أقرأ نظرية فلسفية أو أتابع محاولة لإقناع القارئ بمنطق متدرج، وإنما شعرت أن بابًا قد فُتح أمامي نحو عالم غريب تسكنه الأسئلة أكثر مما تسكنه الأجوبة، عالم لا يمنحك اليقين بقدر ما يدعوك إلى الارتحال خلفه.

رأيت زرادشت واقفًا فوق الجبل بعد عشر سنوات من العزلة، يطل على العالم من ارتفاع لا يشبه ارتفاع المكان فقط، وإنما ارتفاع التجربة أيضًا. لم أتعامل معه كشخصية روائية تظهر في بداية الحكاية، وإنما كإنسان عاد من رحلة طويلة داخل نفسه.

كنت أتخيل الصمت الذي أحاطه طوال تلك السنوات، والليالي التي لم يسمع فيها سوى الريح وهي تعبر الجبال، والساعات الطويلة التي جلس فيها وحيدًا يصغي إلى أفكاره وهي تتشكل ببطء.

وحين قرر النزول إلى الناس شعرت أنني أنزل معه، أراقب الطريق الممتد من القمم البعيدة إلى ضجيج المدن وأسواقها.

في تلك اللحظات لم يكن الكتاب يتحدث عن زرادشت وحده. كانت صور كثيرة تعبر ذهني وأنا أقرأ. فكرت في كل إنسان خرج من تجربة غيّرته من الداخل، ثم عاد ليجد أن العالم من حوله ما زال يسير بالإيقاع نفسه.

فكرت في المسافة التي قد تنشأ بين الإنسان ونفسه القديمة بعد أن يتغير، وفي ذلك الشعور الخفي بالغربة الذي يولد عندما يصبح المرء مختلفًا عما كان عليه. وربما كانت تلك أولى المشاعر التي زرعها الكتاب في داخلي؛ شعور هادئ بالابتعاد عن المألوف والتطلع إلى شيء لم تتضح ملامحه بعد.

عندما وصل زرادشت إلى السوق وتحدث إلى الحشود عن الإنسان الأعلى، توقعت أن ينصت الناس إليه. كان في داخلي إيمان بسيط بأن الكلمات الصادقة تملك دائمًا طريقًا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح