هابرماس والمفكرون الغربيون بين النزعة الإنسانية ونقيضها
يُعَدّ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الذي رحل في الرابع عشر من الشهر الجاري عن عمر يناهز 96 عاماً، أحد أهمّ الفلاسفة المعاصرين. ولقد تميّز فكره بسمات أساسية يمكن تلخيصها في نقاط عدّة، منها أنّ الحداثة انحرفت حين اختزلت العقل في كونه أداة للسيطرة، فاقترح أن يكون العقل وسيلة للفهم المشترك. وبخلاف بعض الفلاسفة الذين عاصروه، دافع هابرماس عن الحداثة، لكنه دعا إلى تصحيحها لا إلى رفضها، بإعادة ربطها بالقيم الإنسانية. ولذلك فهو يركّز على فكرة أساسية مفادها أنّ الخلاص الإنساني لا يأتي من القوّة أو التقدّم التقني والتكنولوجي، بل من الحوار العقلاني الحرّ بين البشر.
لكن الغريب في الأمر أنّ المواقف السياسية العملية لهذا الفيلسوف الكبير لم تواكب فكره الإنساني، ونظرته الموضوعية للعالم وتطلّعاته إلى مجتمع ديمقراطي وعادل. وأكبر دليل على ذلك موقفه من القضية الفلسطينية. خلال السنوات الأخيرة، لا سيّما بعد حرب الإبادة على غزّة وقَّعَ هابرماس مع عدد من المثقفين الألمان بياناً يدعم حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ويؤكّد مسؤوليّة ألمانيا التاريخية تجاهها متبنّياً الخطاب الرسمي الألماني. وهكذا، فهو لم ينتقد سياسات إسرائيل، ولم يلتفت إلى معاناة الفلسطينيين وما يتعرّضون له من وحشيّة قلّ مثيلها في التاريخ، ما يتناقض تماماً مع مبدأ الخطاب النقدي الكوني الذي دافع عنه فلسفيّاً طوال حياته، فكانت صورته الفلسفية التي تدافع عن العقل العمومي والديمقراطية والحوار هي الوجه المعاكس لمواقفه السياسية العمليّة.
ولا تنحصر مواقف هابرماس بالقضيّة الفلسطينية فحسب، بل انحاز أحياناً إلى المؤسّسات الغربية القائمة بدل نقدها جذريّاً، فكان أقلّ حساسية حيال الاستعمار الجديد الذي يكشف عن وجهه في العالم أجمع، مقارنةً ببعض الفلاسفة الجدد الذين أشاروا أيضاً إلى المسافة بين فلسفته ومواقفه السياسية الواقعية. كما رأى بعضهم أنّ تلك المواقف ظلّت محكومة بالسياق الأوروبي والغربي أكثر مما تسمح به عالميّة مشروعه الفلسفي.
موقف هابرماس ليس حالة فريدة في الغرب، بل يحضر بقوّة في المشهد الفلسفي والفكري والأدبي والفنّي، وهذا ما لاحظه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق وفي كتابات أخرى. في
ارسال الخبر الى: