نيقولاي بيرديايف ومغزى الإبداع من نظام الضرورة إلى أفق الحرية
يستيقظ المرء، ينهي معاملاته الرسمية، يتبع إشارات المرور، يمتثل للقوانين التي تنظم عيشه مع الغرباء. يبدو كل شيء منسقاً ومنطقياً، غير أن ثمة شعوراً غامضاً يباغت الإنسان في لحظات السكون؛ شعور بأنه يؤدي دوراً كتبه غيره. يجد المرء نفسه محاصراً داخل أنظمة دقيقة تدير سلوكه، وتوجه اختياراته، وتحدد له مسبقاً حدود الممكن والمستحيل. في هذا العالم الذي يقدس الأرقام، يتسلل سؤال قلق ومربك: أين توجد الحقيقة التي لا تخضع لعمليات حسابية ذات مصلحة؟
هذا السؤال هو المحرك الأساسي للفيلسوف الروسي نيقولاي بيرديايف في كتابه مغزى الإبداع: محاولة لتبرير الإنسان (دار سؤال للنشر والتوزيع، بيروت، ترجمة يوسف نبيل، 2026). لا يتحدث بيرديايف هنا عن الإبداع بصفته مهارة فنية أو نشاطاً ترفيهياً. يراه لحظة وجودية يستعيد فيها الإنسان جوهره المسلوب. يراه فعل خروج من نظام الضرورة إلى أفق الحرية. لم تمر أفكار بيرديايف بسلام في وطنه روسيا، إذ أثارت سجالات حادة مع معاصريه، كشفت أن النزاع حول الإبداع هو في جوهره نزاع حول معنى أن تكون إنساناً.
الروح في مواجهة جاذبية المادة
يعتقد بيرديايف (1874-1948) أن الإبداع فعل صعود؛ وحركة روحية تقرّر فجأة التوقف عن الانصياع لقوانين المادة والضرورة. يكتمل الإنسان في هذه اللحظة حين يضيف إلى العالم شيئاً نبع من محض حريته ولم يأتِ من تراكم الماضي. فالإبداع عنده هو إبداع من لا شيء، وهو صرخة الحرية ومحاولة لكسر ما يبدو مفروضاً علينا من قوانين الحياة.
انتقد تحويل العلم إلى سلطة تُلزم بنموذج واحد للحقيقة
ويمكن تبسيط بيرديايف عبر قراءات عالم اللاهوت الروسي فلاديمير لوسكي الذي يميز بين مستويين في الوجود البشري. يمثل الفرد الكائن الذي تحكمه القوانين البيولوجية، والوظائف الاجتماعية، والسجلات الرسمية. هو جزء من القطيع، يتحرك وفق حتميات الطبيعة والمجتمع. أما الشخص فهو الكائن الحر الذي يخلق ويختار ويخرج عن التوقع. وقد يقرب هذا التمييز الفلسفة من الحياة اليومية، بخاصة حين يشعر الإنسان بأنه لم يعد فرداً أو لنقل مجرد رقمٍ يؤدي وظيفة روتينية داخل نظام ضخم. لكنه يقترب
ارسال الخبر الى: