هل نقرأ جديدا أم نستهلك كلمات كتب عبدالقوي العديني
لم يعد التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية اليوم هو الوصول إلى الخبر أولًا، بل معرفة من يقف خلفه؛ هل هو عقل صحفي يبحث ويحلل ويضيف، أم نموذج لغوي ينتج نصًا يبدو مقنعًا؟
حتى وقت قريب، كان القارئ يعرف لمن يقرأ، كانت هناك أسماء صنعت مكانتها بالمعرفة والتجربة والبصمة الخاصة، وكان الأسلوب يكشف صاحبه قبل أن يظهر اسمه. أما اليوم، فقد أصبح هذا القارئ أمام سيل هائل من المحتوى المتشابه، حيث تتكاثر النصوص والمواعظ بسرعة تفوق قدرة التمييز بين ما يحمل قيمة حقيقية وما هو مجرد إعادة إنتاج للكلمات، والمشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في وفرتها؛ فالعالم لا يعاني من غياب المحتوى، بل من تراجع المحتوى الذي يضيف معلومة إلى معلوماتك.
وسائل ومقالات يطلون عليك بمقالات ومقدمات جاهزة، وعبارات مكررة، وخواتيم متوقعة، ونصوص يمكن تغيير عناوينها دون أن يتغير مضمونها؛ من علامات هذا النمط العبارات الافتتاحية المستهلكة مثل: في ظل عالم متغير.. أو في عصر يشهد تحولات متسارعة..، التي أصبحت أحيانا قوالب جاهزة يمكن وضعها في أي موضوع. المشكلة ليست في العبارة نفسها، بل عندما تغيب الفكرة خلفها ويختفي صوت الكاتب.
والغريب إن البعض من الكتاب والخبراء يرسل لك مثل هذه الحالات ويسألك عن رأيك لتخبره بأنك منبهر جدا، منتظرا الإنتاج الفكري.
هنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها بتضخم الكلمات وفقر المعرفة، إذ أصبحت صناعة النصوص أسهل من أي وقت مضى، لكن صناعة الفكرة الجديدة مازالت تحتاج إلى عقل يقرأ، وخبرة متراكمة وقلم همام، وثقافة قادرة على الربط بين الأحداث.
الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج مقالات وتحليلات وتقارير كاملة، وهذه ليست المشكلة. فالتقنية يمكن أن تكون أداة مهمة تساعد الصحفي في البحث والتنظيم والتحليل؛ والسؤال الحقيقي هل بقي للكاتب حضور داخل النص؟
فالكاتب الحقيقي لا يملأ الصفحة، بل يضيف إليها ولا يكرر المعنى بصيغ مختلفة، ولا يستخدم الكلمات لإخفاء غياب الفكرة.. وتظهر براعته في جعل كل فقرة تحمل معلومة أو زاوية جديدة، وكل انتقالة تقود القارئ إلى مستوى أعمق
ارسال الخبر الى: