نظرات حائرة

35 مشاهدة

في السوق، وقفتُ أمام بائع الخضار أنتظر أن ينتهي من حساب ما بذمتي نظير الخضروات التي اشتريتها. وبالقرب مني كان يقف صبي، أعتقد أنه في الرابعة عشرة من عمره، منشغلاً بالكامل، حتى إنه لم ينتبه إلى نظراتي المتلصصة، بمراقبة إحدى الزبونات، التي كانت منهمكة في اختيار حبات الطماطم.

بعد تردد استمر لحظات، اتجه الصبي نحو الزبونة وسألها إن كان بإمكانه أن يمد لها يد العون في حمل القفة عنها، لكنها ردته خائباً، بعدما رفضت طلبه بأدب. ابتعد الصبي عنها وغاب عن ناظري بين الأجساد المتحركة ذهاباً وإياباً في جنبات السوق.

منظر معتاد في السوق؛ أطفال من أعمار مختلفة يتسابقون إلى الزبونات، يمدون لهن يد العون في حمل القفة مقابل دراهم معدودة. وكثيراً ما صادفتهم يقدمون هذه الخدمة لمن يرغب، ولا سيما الزبونات اللواتي تبدو عليهن مظاهر الرفاه والغنى.

لكن هذه المرة كانت مختلفة، واستوقفتني طويلاً. والسبب يعود إلى النظرات التي كان الولد يرمق بها الزبونة قبل أن يقترب منها، ولأنها، في الغالب، كانت المرة الأولى التي يقوم فيها بهذا العمل. كانت نظرات حائرة، خائفة، مترددة، ومستجدية. نظرات مبهمة تحمل أكثر من معنى، ولا يمكن لأحد أن يستوعب دلالتها إلا إذا مر بالتجربة نفسها أو عاشها من قبل.

آلمني كثيراً أن أرى هذا الطفل مضطراً إلى التعايش مع تلك المشاعر القاسية من أجل بعض الدراهم، لأنني على دراية تامة بالأثر السلبي الذي قد تتركه في نموه النفسي

عندما كنّا، أنا وأبناء حارتنا من الأسر الفقيرة، صغاراً، وما إن تُغلق المدرسة أبوابها، بدلاً من أن نقضي سحابة الصيف، التي تمر سريعاً، في التردد على البحر للاستجمام أو السفر إلى أحد المنتجعات السياحية القريبة أو البعيدة، كنا نتوزع على الأعمال البسيطة؛ فمنّا من يعمل حمّالاً في السوق الأسبوعي الذي كان يُقام كل يوم اثنين في أحد أطراف المدينة، ومنّا من يشتغل مع آبائه في الورش أو المحلات الخدمية، أو صبياً لدى أحد الحرفيين. وكنا نجمع بعض الدراهم لننفقها على شراء الحلويات الشهية والأطعمة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح