نصف دجاجة

يمنات
محمد سعيد حميد
كان سالم موظفاً حكومياً مطحوناً في تروس الحياة، من أولئك الذين تُكتب رواتبهم بالحبر وتُصرف بالدم.
في كل صباح يخرج إلى عمله مرتدياً قميصاً تجاوز عمره الوظيفي منذ سنوات، لكنه ما زال يؤدي واجبه الوطني في تغطية جسده. أما حذاؤه فقد صار أشبه بخريطة قديمة؛ تتشقق أطرافها كلما هطل المطر أو اشتدت حرارة الطريق.
راتبه يصل آخر كل شهر منهكاً أكثر منه، وكأنه هو الآخر يقف في طوابير الحياة الطويلة قبل أن يصل إلى يديه.
كانت طائرات “الالتزامات” تحوّم فوق رأسه كالغربان قبل أن يقبض الراتب:
المؤجر الذي يملك توقيتاً بيولوجياً أدق من ساعة بيغ بن، يتصل في نفس الدقيقة؛ والمدرسة التي تبيع لأطفاله حلم المستقبل مقابل كليته اليمنى شبح دائم ينتصب أمامه؛ وثمن الضوء الذي يرى به بؤسه؛ والماء الذي يغسل به همومه؛ والبقال الذي لا يبتسم له ابتسامة “الموناليزا” إلا مرة واحدة في الشهر.
بعد هذه المجزرة المالية، نظر سالم إلى ما تبقى من الراتب. لقد تبخّر بالكامل، باستثناء مبلغ صغير جداً، قرر بتهوّر أن ينفقه في “بذخ” الوجبة الشهرية.
في البيت كانت زوجته نادية تحفظ فنون الاقتصاد التي لم تدرّسها أي جامعة. كانت قادرة على تحويل ربع كيس من الرز إلى شهر من الأمل، وتحويل نصف كيلو بطاطس إلى مشروع غذائي متكامل لأسرة كاملة.
أما الأطفال فكانوا يعرفون من أيام الشهر أكثر مما يعرفه علماء الفلك.
يوم استلام الراتب: عيد.
اليوم التالي: بداية التقشف.
اليوم الخامس عشر: حالة طوارئ.
اليوم الخامس والعشرون: البحث عن المعجزات.
وكان أعظم أعيادهم كلها يوم استلام الراتب.
منذ الصباح والأطفال ينتظرون عودة أبيهم من العمل، ما أن يصل حتى يحلقون عليه كالكواكب حول الشمس.
“بابا جاب الراتب، بابا جاب الراتب!”
بابا… اليوم المطعم؟
فيبتسم سالم وهو يتحسس الراتب في جيبه بحذر، كأنه يحمل مريضاً في غرفة إنعاش.
نعم… اليوم المطعم.
فتنطلق الزغاريد الصغيرة داخل البيت.
ارتدت البنت فستان عيد العام الماضي الذي قصرت أكمامه.
ارسال الخبر الى: