نزيف العقول يضرب مصانع فرنسا إلى أين يهاجر الفرنسيون

41 مشاهدة
في الوقت الذي تسعى فيه باريس إلى إعادة بناء قاعدتها الصناعية عبر خطط واسعة لإحياء الإنتاج المحلي وتعزيز السيادة التكنولوجية تواجه فرنسا معضلة متصاعدة قد تقوض هذه الطموحات من الداخل إذ يكشف التناقض الصارخ بين الميزانيات المليارية المرصودة وخطر هجرة الكفاءات عن فجوة هيكلية تهدد بتحويل المصانع الجديدة إلى مجرد هياكل تفتقر إلى العقول المدبرة وقالت صحيفة لو ديبلوماتيك الفرنسية إن مسار إعادة التصنيع الذي تسعى إليه فرنسا يواجه عائقا هيكليا متصاعدا يتمثل في هجرة الكفاءات معتبرة أن الظاهرتين تمثلان معادلة واحدة تؤثر مباشرة في النمو والسيادة الاقتصادية وأشارت الصحيفة المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية في تحليل نشرته الجمعة الماضي إلى أن الصناعة الفرنسية تشهد تراجعا ممتدا منذ عقود ووفق أحدث بيانات اتحاد سينتيك التجمع المهني الأكبر لقطاع الهندسة الصادرة في 1 أكتوبر تشرين الأول الماضي بالتعاون مع معهد إيبسوس بي في إيه تحت عنوان هجرة العقول تهديد مباشر للابتكار والتنافسية فإن ما يقرب من 15 ألف خريج جديد من مدارس الهندسة والإدارة الفرنسية يختارون بدء حياتهم المهنية في الخارج سنويا في حين استثمرت الدولة في تدريبهم ما يقرب من مليار يورو وقال الاتحاد إن هذا النزيف البطيء والمستمر للمواهب عالية التأهيل لا يعد ظاهرة عابرة بل يعكس تآكلا صامتا ومستداما للإمكانات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية لفرنسا داعيا إلى تهيئة الظروف اللازمة للاحتفاظ بهذه المواهب التي لا غنى عنها للابتكار والتنافسية وإعادة التصنيعnbsp والسيادة الوطنية وأكد سينتيك أن حجم المهاجرين قفز بنسبة 23 خلال عشر سنوات ويرتفع مستوى الهجرة كلما زاد تأهيل الكفاءات حيث بلغت النسبة 19 في عام 2024 لخريجي مدرسة بوليتكنيك ووفقا لاستطلاع الاتحاد فإن 57 من الكفاءات الحاملة شهادات الماجستير فما فوق خططوا لهجرة خلال السنوات الثلاث القادمة و21 منهم يفكرون في ذلك بجدية وتتصدر كندا قائمة الوجهات المفضلة بنسبة 29 نظرا إلى سهولة الاندماج والرواتب التنافسية تليها سويسرا بنسبة 22 التي تجذب المهندسين ببيئة عمل مستقرة وأجور هي الأعلى عالميا ثم الولايات المتحدة بنسبة 17 التي تظل القبلة الأولى للمبدعين في مجالات التكنولوجيا الحيوية والبرمجيات وأوضح الاتحاد أن الدافع المادي يظل المحرك الأساسي لهذه الهجرة حيث يرى 86 من المهاجرين أن الفجوة الشاسعة في الرواتب بين فرنسا والوجهات الأخرى هي السبب الرئيسي بينما يشعر 70 منهم بأن فرنسا تعيش حالة انحدار هيكلي تمنع الابتكار الحقيقي وتكبل المبادرات الفردية بالبيروقراطية وقال رئيس الاتحاد لوران جيوفاكيني نحن نحذر من خطر فقدان الكفاءات فرنسا تستثمر بكثافة لتكوين مهندسيها ومديريها ومن الضروري العمل على ولاء هذه المواهب الضرورية للابتكار والسيادة هل يكون 2026 عام إعادة التصنيع وأطلقت الحكومة الفرنسية سلسلة من المبادرات الضخمة على رأسها خطة فرنسا 2030 التي دخلت مرحلة التكثيف والتقييم الفعلي في عام 2025 ووفقا لتقرير النشاط الرسمي لعام 2024 الصادر عن الأمانة العامة للاستثمار في يوليو تموز 2025 خصصت 54 مليار يورو لدعم 10 أهداف استراتيجية تشمل إنتاج المفاعلات النووية الصغيرة والهيدروجين الأخضر ومليوني مركبة كهربائية لكن إذاعة آر سي إف الفرنسية قالت في 8 يناير كانون الثاني 2026 إن فرنسا في غضون 30 عاما فقدت مليوني وظيفة صناعية وقالت الإذاعة رغم محاولات إعادة التوطين وخطط الاستثمار وإعادة افتتاح المواقع تبذل فرنسا في عام 2026 كل ما في وسعها للنهوض ولكن من دون جدوى وأحصت الكونفيدرالية العامة للشغل وهي النقابة الرئيسية للعمال أكثر من 45 ألف حالة تسريح في القطاع الصناعي في 2024 ونقلت الإذاعة عن فينسنت بويغ رئيس معهد البحث والابتكار في مركز بومبيدو قوله إن إعادة التصنيع تتطلب تغييرا شاملا في عقلية المستهلكين والوعي القومي بضرورة دعم المنتج المحلي وفهم كيفية صناعة الأشياء لضمان استدامة الطلب وأوضحت الإذاعة أن مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا انخفضت من نحو 27 عام 1980 إلى قرابة 16 في 2021 وبحسب أحدث بيانات البنك الدولي بلغت نسبة القيمة المضافة للقطاع الصناعي بما في ذلك التصنيع نحو 18 47 في 2023 قبل أن تتراجع إلى حوالي 17 55 في 2024 وهو ما يعكس تآكل الوزن النسبي للصناعة داخل الاقتصاد الفرنسي رغم خطط إعادة التصنيع الجارية وفي 24 يناير الماضي كشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن الحكومة قررت تقليص تمويل خطة فرنسا 2030 بقيمة 1 1 مليار يورو ضمن مشروع ميزانية 2026 في خطوة تهدف إلى كبح العجز العام والإبقاء عليه عند مستوى 5 من الناتج المحلي الإجمالي وذكرت الصحيفة أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اختار خفض الإنفاق بأكثر مما كان متوقعا في مخصصات الخطة الاستثمارية التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2021 وذلك في إطار جهود احتواء الضغوط المالية رغم التنازلات المقدمة لليمين واليسار داخل البرلمان ووفق النسخة المعدلة من مشروع الميزانية اقترحت الحكومة إلغاء 1 1 مليار يورو من أصل 5 5 مليارات كانت مخصصة للاستثمارات الاستراتيجية ضمن الخطة مع الإبقاء على تمويل يقدر بنحو 4 2 مليارات يورو لصرف المساعدات المقررة بالفعل للشركات خاصة في قطاعات السيارات والروبوتات والذكاء الاصطناعي وأوضحت الصحيفة أن البرنامج البالغ حجمه 54 مليار يورو على خمس سنوات كان قد أطلق بعد جائحة كوفيد 19 لدعم الابتكار وإعادة التصنيع والتحول البيئي إلا أن ضغوط خفض العجز دفعت الحكومة إلى تجميد التزامات جديدة خلال 2026 مع التأكيد رسميا أن التقليص لن يمس قدرة الخطة على دعم الاستثمار والابتكار ويبدو أن طموحات قصر الإليزيه لاستعادة الأمجاد الصناعية الفرنسية اصطدمت بجدار هيكلي صلب فبينما ترفع باريس شعار إعادة التصنيع جسرا إلزاميا للعبور نحو نمو اقتصادي مستدام تكشف التقارير الفرنسية والبيانات الرسمية عن خلل جوهري في المحرك البشري للدولة الفرنسية وأكدت لو ديبلوماتيك أن أي خطة لإنعاش القطاع الصناعي ستظل مكبلة وفاقدة للروح ما لم تنجح الدولة في اجتراح حلول جذرية لوقف نزيف العقول وأن الصدام بين الرغبة في التوسع الصناعي والواقع المتمثل في هجرة الكفاءات يشكل المعضلة الكبرى لصناع القرار حيث أصبحت إعادة التصنيع ونزيف العقول وجهين لعملة واحدة في معادلة اقتصادية معقدة لم تنجح الحكومات المتعاقبة في حلها حتى الآن وسط تساؤلات عن جدوى ضخ المليارات في مصانع قد تفتقر إلى المهندسين المبدعين الذين يفضلون الرواتب السخية والبيئات الابتكارية في الخارج

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح