ما الذي نخافه حين نكون وحدنا
يدخل الرجل إلى المطعم وحده، يطلب ما يودُّ تناوله على الغداء، ثمَّ يتلفّت حوله؛ الطاولات ممتلئة بأشخاصٍ يجتمعون حولها. لكنّه هو، هو تحديداً، يجلس وحده. ولفرطِ ارتباكه، يُخرج هاتفه على الرغم من كونه لا ينتظر أيّ رسالة، ولا يبحث عن شيءٍ بعينه، سوى أنّه يحاول القضاء على ارتباكه من الجلوس وحيداً.
في إحدى الليالي، يستيقظ شابٌّ ما. يحاول العودة إلى نومه. لكن عبثاً، فقد كان الأرق من نصيبه تلك الليلة، لذا يُسارع إلى البحث عن هاتفه. متى صارت الأفكارُ وحشاً علينا الهرب منه؟
وبينما يمشي أحد الأشخاص وحيداً في الطريق، يشعر بالحاجة إلى الاتصال بأحدٍ ما، أيّ شخص، ومن دون وجود موضوعٍ معيّن يحتاجُ إلى مناقشته معه.
تصل امرأةٌ إلى منزلها الفارغ من سواها، تُسارع إلى تشغيل التلفاز، مع أنّها لا تنتبه لِما يُذاع، وإنّما صوتٌ ما يصدر عن التلفاز، سيكسر وحدتها والصمت في آنٍ واحد.
في الضجيج يُمكننا تأجيل الكثير من الأشياء، أمّا حينما نهدأ، فنترك لها مجالاً لتظهر
ليس الهاتف هو القاسم المشترك بين هؤلاء الأشخاص، بل عدم احتمالنا لوجود فراغٍ ما بيننا وبين أنفسنا. ورُبّما، هنا تحديداً، انتقلت مشكلتنا، من كوننا نعيش في عالمٍ يفيضُ بالضجيج، إلى أنّنا أصبحنا نخاف ممّا قد نسمعه عندما يهدأ هذا الضجيج.
ما الذي نخافه فعلاً؟ رُبّما لا نخاف الوحدة بحدّ ذاتها، وإنّما نخاف ما ستُفضي إليه هذه الوحدة، وما ستكشفه من خبايا نحاول تجنّبها. فوجود الآخرين في يومنا يشغلنا عن البقاء برفقة أفكارنا في ذلك الفراغ. لذا، بعد تأجيلٍ طويل، سنجد أنفسنا وجهاً لوجه مع ما كنّا نتحاشاه طيلة الوقت.
والأفكار كثيرة، أكثر من أن تُحصى. لعلّنا نتذكّر أشخاصاً لم نعُد على تواصلٍ معهم، ونحاول نسيانهم على الدوام. أو نُفكّر بقرارٍ، علينا اتخاذه عاجلاً أم آجلاً، لكنّنا لا نتوانى عن تأجيله، تذرُّعاً بالانشغال. أو نكتشف بأنّنا لسنا سعداء ببساطة، وإنّما نحاول تمثيل ذلك، إلى أن نكاد نقتنع نحنُ بذلك. ورُبّما لا يحدث شيء من هذا، فنشعر بالملل وحسب، وقد غدونا لا
ارسال الخبر الى: