نبوءات صارت واقعا

56 مشاهدة

قال محمود درويش في واحدةٍ من أكثر قصائده تأملاً: هناك من سبقت خطاه خطاي/ من أملى رؤاه على رؤاي. وهي عبارة تستدعي معنى قديماً تردّد بأشكال مختلفة في التراث الإنساني، مفاده بأنّ السابقين لم يتركوا شيئاً إلّا وقالوه أو لمّحوا إليه. وما إن يواجه البشر أزمة كبرى حتى يعودوا إلى كتب الفلاسفة والمفكرين والشعراء، باحثين فيها عن تفسير لما يجري، أو عن تحذير لم يُصغَ إليه في حينه. لم يكن أصحاب تلك النصوص يقرأون الغيب، بل كانوا مفكّرين امتلكوا حسّاً نقديّاً وبصيرة أخلاقية ما مكّنهم من استشراف النتائج المحتملة لمسارات بدت لهم خاطئة أو غير متوازنة.

ومن بين هؤلاء يبرز الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي، الذي لم يكن روائياً عظيماً فحسب، بل ناقداً اجتماعياً وأخلاقياً أيضاً شديد الحساسية تجاه التحولات التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر. ففي كتاباته الفكرية، ولا سيّما في مؤلفاته المتأخّرة، مثل ما العمل إذن؟ وملكوت الله في داخلكم، عبّر عن قلق عميق من الحضارة الصناعية الحديثة ومن اتّساع الفجوة بين التقدم المادي والتقدم الأخلاقي.

كان تولستوي يرى أنّ المجتمعات الحديثة تمضي بسرعةٍ هائلة نحو تعظيم الإنتاج والاستهلاك، بينما تهمل الأسئلة الأساسية المتعلقة بالعدالة والكرامة الإنسانية. وقد لاحظ منذ أواخر القرن التاسع عشر أنّ حياة العمّال تتحوّل إلى سلسلة من الأعمال المرهقة التي تستنزف الجسد والروح معاً. معتبراً أنّ المشكلة لا تكمن في نقص الثروة بقدر ما تكمن في سوء توزيعها وفي أنماط الحياة التي تجعل قلّة من الناس تستفيد من جهد الكثرة.

ولم يكن نقده مُوجهاً إلى الصناعة في ذاتها، بل إلى تحويل الإنسان إلى أداة داخل آلة اقتصادية ضخمة، فقد خشي أن يصبح الإنتاج هدفاً قائماً بذاته، وأن تتراجع قيمة الإنسان أمام قيمة السلعة. عاد كثير من هذه المخاوف إلى الواجهة في عصرنا، مع تصاعد النزعة الاستهلاكية واتساع الفوارق الاقتصادية وتزايد الضغوط البيئية الناجمة عن أنماط الإنتاج والاستهلاك الحديثة.

لقد شهد العالم منذ زمن تولستوي تقدّماً هائلاً في الطب والتعليم وحقوق العمّال. وتراجعت ساعات

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح