ناصر بحاح حين يصبح الميكروفون جسرا إلى الأدب

في زمنٍ لم تكن فيه الشاشات الصغيرة قد غزت البيوت بعد، كان الميكروفون في إذاعة عدن أكثر من مجرد أداةٍ تقنية تقف أمامها الأصوات. كان نافذةً مفتوحةً على المدينة، وعلى ما يعتمل في عقول الناس ووجدانهم. ومن خلف ذلك الميكروفون تدفّقت الأخبار والأغاني والقصائد والحكايات والحوارات، وتسللت أصوات المذيعين إلى البيوت حتى غدت، مع مرور الزمن، جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية.
ومن بين تلك الأصوات يبرز اسم ناصر محفوظ بحاح؛ المذيع الذي حباه الله حنجرةً ذهبيةً وصوتًا متميزًا، والذي لم يكتفِ بالوقوف عند حدود المهنة، بل جعل من الإعلام طريقًا إلى الأدب والثقافة، ومن الأدب مادةً حيةً تصل إلى الناس عبر الإذاعة والتلفزيون.
**
وُلد ناصر محفوظ بحاح في الديس الشرقية بحضرموت عام 1957، وانتقل مع أسرته إلى عدن وهو لا يزال طفلًا. ومنذ صباه أظهر تمكّنًا لافتًا من اللغة العربية، وهو ما مهّد له لاحقًا مسيرته في عالمَي الصحافة والإعلام.
وبفضل هذا التمكّن اللغوي أُوكلت إليه مهمة سكرتارية تحرير مجلة (الشباب) في سبعينيات القرن الماضي. وكانت تلك المحطة الصحفية نقطة تحوّل في مساره؛ فحين استمع الإعلامي جمال الخطيب إلى صوت ناصر، أدرك ما يختزنه من إمكانات، فعزم على نقله من ميدان الصحافة المكتوبة إلى فضاء الإذاعة أولًا، ثم التلفزيون لاحقًا.
وهكذا التحق ناصر منذ شبابه بإذاعة عدن وتلفزيونها، فعمل مذيعًا للأخبار، ومعدًّا ومقدّمًا للبرامج — ولا سيّما الأدبية والثقافية منها — وتولّى إلى جانب ذلك عددًا من المسؤوليات القيادية، من بينها إدارة البرامج الثقافية، وإدارة برامج المنوعات، ومنصب كبير المذيعين.
ولم تكن تجربته مجرد رحلةٍ طويلة أمام الميكروفون والكاميرا، بل كانت رحلةً في قلب المشهد الإعلامي والثقافي في عدن، عاصر خلالها أجيالًا من المذيعين والأدباء والفنانين، وأسهم في صناعة برامج ظلّت عناوينها راسخةً في ذاكرة المستمعين والمشاهدين.
**
من الميكروفون إلى الشاشة
في تلك السنوات، كانت إذاعة عدن أكبر من مؤسسةٍ إعلامية؛ كانت فضاءً ثقافيًا تتجاور فيه الأخبار مع الأدب، والموسيقى مع الحوار، والشعر مع البرامج الاجتماعية. وكان
ارسال الخبر الى: