نادي فلسطين للكوميديا سيرة البلاد والاحتلال عبر النكتة
69 مشاهدة
ليس مألوفا أن تبدأ قصة عن فلسطين بنكتة لكن هذا بالضبط ما يفعله الفيلم الوثائقي نادي فلسطين للكوميديا Palestine Comedy Club الذي بدأ في 27 فبراير شباط الماضي عرضه في الدور السينمائية في المملكة المتحدة وأيرلندا فالعمل لا يبدأ من السياسة ولا من التاريخ بل من الضحك نفسه ماذا يحدث عندما يقف فلسطيني على المسرح لا ليشرح قضيته بل ليحكي نكتة بدل أن يكون الفلسطيني موضوعا للشرح أو الشهادة يظهر هنا مؤديا على خشبة المسرح يختبر حضوره أمام جمهور لا ينتظر تفسيرا بقدر ما ينتظر لحظة تواصل بهذا المعنى لا تبدو النكتة استراحة من الواقع بل طريقة مختلفة للنظر إليه يتابع الفيلم العروض الحية للكوميديين بكاميرا قريبة تلتقط الإيقاع والتردد ولحظات الصمت التي تسبق النكتة لتتحول الكوميديا إلى مساحة تكشف حدود ما يمكن قوله علنا في سياق سياسي واجتماعي شديد الحساسية على المستوى السينمائي يعتمد الوثائقي إخراجا يقترب من أسلوب الملاحظة أكثر من السرد التقليدي الكاميرا ترافق الكوميديين في العروض والتنقلات من دون تدخل أو تعليق مباشر ما يمنح المشاهد إحساسا بالقرب من اللحظة نفسها وينتقل المونتاج بين خشبة المسرح والفضاءات المحيطة بالمدن والبلدات التي تمر بها العروض ليخلق إيقاعا بصريا يجمع بين الأداء الحي والسياق الذي يتشكل فيه هكذا لا يقوم بناء الفيلم على خط درامي واحد بقدر ما يعتمد على تتابع اللحظات واللقاءات إذ تتكون صورة الواقع تدريجيا عبر الحركة بين الأمكنة واستجابات الجمهور المختلفة يتابع نادي فلسطين للكوميديا ستة كوميديين فلسطينيين هم علاء شحادة وحنا شماس وإيباء منذر وديانا سويطي وخليل البطران ورائد الشيوخي يجمعهم مشروع عرض ستاند أب كوميدي يستمد مادته من تفاصيل الحياة اليومية تحت الاحتلال اختلاف خلفياتهم القانونية والاجتماعية لا يخلق تنوعا في النكات فحسب بل يكشف أيضا تباين التجربة الفلسطينية نفسها ومع انتقال العروض بين مدن وبيئات مختلفة تتبدل طبيعة الاستجابة فما يثير الضحك في رام الله الأكثر انفتاحا نسبيا قد يقابل بالحذر في أماكن أخرى أكثر محافظة ولا يقف أثر الجغرافيا عند حدود اختلاف الجمهور فبينما يستطيع بعض الكوميديين التنقل بين رام الله والناصرة وحيفا والجولان تبقى غزة حاضرة بوصفها المكان الذي لا يمكن الوصول إليه أصلا بهذا المعنى لا يقدم نادي فلسطين للكوميديا عرضا كوميديا فحسب بل يرسم خريطة غير مباشرة للحياة الفلسطينية إذ يصبح الضحك علامة تكشف الفوارق التي ترسمها السياسة والجغرافيا في تفاصيل الحياة اليومية توضح الدكتورة سام بيل الشريكة المؤسسة والمديرة المشاركة في تأسيس مبادرة نادي فلسطين للكوميديا أن المشروع يقوم على تعاون بريطاني فلسطيني يهدف إلى العمل مع الكوميديين الفلسطينيين ودعمهم في كتابة عروض كوميدية وتقديمها داخل فلسطين وخارجها وتشير إلى أن المبادرة لا تقتصر على العروض المسرحية بل تشمل أيضا تنظيم ورش للكوميديا في بيئات مجتمعية مختلفة من بينها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومجموعات الشباب ومراكز النساء وتضيف أن هذا العمل بدأ عندما التقت بالكوميدي علاء شحادة للمرة الأولى على مسرح الحرية في جنين عامي 2016 و2017 تقول بيل إن المشاركين في ورش الكوميديا داخل فلسطين معتادون على أن يطلب منهم خصوصا من أجانب حسني النية الحديث عن المآسي التي يعيشونها تحت الاحتلال غير أن التجربة تختلف عندما يدخلون عالم الكوميديا إذ يكتشفون أن هذا الشكل الفني يعمل بطريقة مغايرة فهو يقوم على الاعتراف بنقاط ضعفنا البشرية والاحتفاء بها وعلى الصراحة مع الجمهور بشأن واقع حياتنا وترى أن تجربة صنع الكوميديا يمكن أن تكون تجربة تحررية بالفعل بالنسبة إلى الجمهور الفلسطيني توضح بيل أن الكوميديا تستخدم وسيلة لصناعة معنى جماعي للتجربة المشتركة إذ يسمع الناس قصصا وطرفات تنبع من خبراتهم اليومية تحت الاحتلال فيتواصلون مع بعضهم عبر الضحك المشترك والاحتفاء بقدرتهم على الصمود وتضيف أن هذا التفاعل يمكن أن يكون في الوقت نفسه مصدر عزاء وقوة أما خارج فلسطين فتلفت بيل إلى أن عروض الكوميديين الفلسطينيين غالبا ما تتحدى توقعات الجمهور فكثيرون اعتادوا رؤية الفلسطينيين في الإعلام إما ضحايا أو متطرفين لذلك يفاجأون عندما يدعون إلى تجاوز هذه الصور النمطية والضحك على قصص يومية عن الحياة في فلسطين وتخلص إلى أن عمل نادي فلسطين للكوميديا يقوم أساسا على تذكير بسيط الفلسطينيون ليسوا مجرد صور نمطية بل أناس عاديون يعيشون حياتهم يخطئون ويأملون في الأفضل مثل غيرهم غير أنهم يفعلون ذلك تحت واقع الاحتلال العسكري من جهتها تقول منتجة الوثائقي شارلوت نولز لـالعربي الجديد إن ما جذبها إلى هذه التجربة منذ البداية هو قدرتها على خلق تواصل حي مع الجمهور بطريقة يصعب تحقيقها عبر أشكال السرد الأخرى بما فيها الصحافة التي اعتادت نقل القصص من موقع الراوي لا من موقع التفاعل المباشر مع الجمهور وتوضح نولز أن الكوميديا لا تقوم على نقل قصة جاهزة بل على علاقة متبادلة تتشكل على المسرح حيث يتفاعل المؤدي مع استجابة الجمهور يغير إيقاعه ويعيد صياغة حضوره لتتحول اللحظة إلى حوار لا إلى خطاب من طرف واحد وتشير إلى أن الفيلم لم يصنع استجابة للحظة سياسية بعينها بل بدأ قبل سنوات قبل أن تفرض حرب الإبادة على غزة أسئلة جديدة على العمل وصناعه هل يمكن الاستمرار وهل يبقى للكوميديا مكان في ظل هذا العنف أسئلة بحسب قولها لم يكن الجواب عليها بديهيا غير أن قرار بعض الكوميديين الاستمرار في الوقوف على المسرح أعاد تعريف معنى الحضور الثقافي في هذا السياق بالنسبة إلى نولز تكمن أهمية الفيلم في قدرته على تفكيك فكرة أن فلسطين قضية معقدة لا يمكن الاقتراب منها الكوميديا كما تقول تفتح بابا مختلفا للفهم يبدأ من الإنسان لا من السياسة ويذكر الجمهور خصوصا في بريطانيا بأن ما يقدم على المسرح ليس لغزا جيوسياسيا بل حياة بشرية كاملة بتناقضاتها وخوفها وضحكها وقدرتها على الاستمرار لفت الوثائقي انتباه عدد من النقاد في الصحافة البريطانية إذ رأت صحيفة فايننشال تايمز أنه يقدم صورة مؤثرة عن الكوميديا الفلسطينية بوصفها ضحكا يولد من قلب المعاناة ومنحته ثلاث نجوم من خمس مشيرة إلى أن بعض النكات قد لا تنتقل بسهولة إلى جمهور خارج السياق المحلي في المقابل اعتبرت مراجعات أخرى أن الفيلم مهم في كشف الحياة اليومية للفلسطينيين عبر الكوميديا حتى وإن بدا أحيانا أقل تركيزا من حيث البناء السردي وأقل غنى باللحظات الكوميدية مما قد يوحي به عنوانه ولا يعتمد تأثير الوثائقي دائما على قوة النكات نفسها فبعض اللحظات تبدو أقرب إلى رواية تجربة شخصية على المسرح منها إلى بناء كوميدي متماسك غير أن جاذبية الفيلم تكمن تحديدا في هذا الصدق فالكوميديون لا يظهرون مؤدين يصوغون طرفات مصقولة بقدر سعيهم إلى تحويل تفاصيل حياتهم اليومية إلى مادة للسخرية ويتجلى هذا البعد الإنساني في مشهد يجمع الكوميدي علاء شحادة بوالدته في بداية الفيلم تخشى فكرة مغادرته البلاد وتقول إنها ستحزن كثيرا إن قرر الرحيل لكن بعد أحداث السابع من أكتوبر يتحدث معها من لندن فتطلب منه هذه المرة أن يبقى هناك على وجهها ابتسامة هادئة تخفي قلقا لا تخطئه العين في هذا التحول الصامت يلتقط الفيلم كيف يمكن للحرب أن تغير معنى البقاء والمغادرة داخل العائلة نفسها في النهاية لا يسعى نادي فلسطين للكوميديا إلى تفسير فلسطين بقدر ما يغير زاوية النظر إليها فبدل أن يظهر الفلسطيني في موقع الشرح لقضيته يضعه الفيلم على المسرح فيصبح حضوره الإنساني هو نقطة البداية وفي هذه المسافة القصيرة بين النكتة وردة الفعل يفتح العمل نافذة مختلفة لفهم حياة غالبا ما تختزل في الأخبار والأرقام