نادي ترامب
لم يأتِ الإعلان عن مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من فراغ، وإنما جاء في سياق حرب الإبادة على غزّة، لذلك حرص عرّابوه على وضع عنوانٍ مخاتلٍ لمخلوقهم الجديد، الإشراف على وقف الحرب التي ما زالت مستمرّة تطحن أبرياء غزّة. غير أنّ ما قُدِّم في بدايته آليةً تقنيةً محدودة سرعان ما تمدّد ليحمل تفويضاً عالمياً فضفاضاً للتدخل في نزاعات دولية أخرى، في خطوة أثارت، منذ اللحظة الأولى، قلق الحلفاء قبل الأعداء، وشكوكاً عميقةً حول النيات الحقيقية للمبادرة، وحدودها القانونية، وأهدافها السياسية غير المعلنة.
يكشف الميثاق التأسيسي للمجلس كثيراً من هذه النيات، فهو يتحدّث عن تحقيق سلام دائم في مناطق النزاع أو المهدّدة به، وهي صيغة عامة تكاد تُستنسخ من ميثاق الأمم المتحدة، مع فارق جوهري، أن هذا الكيان لم ينبثق من منظومة دولية متعددة الأطراف، بل من إرادة شخص واحد مصاب بتضخّم مفرط في الأنا، يرى في المؤسّسات الأممية عبئاً، ويجاهر بازدرائه القانون الدولي. وقد جسّد هذه الأنا المتضخّمة في ميثاق المجلس الذي يمنح رئيسه ومؤسّسه سلطات شخصية غير مسبوقة، انطلاقاً من الرئاسة الدائمة، وحق النقض، وصلاحية تعيين خليفة له، حتى بعد مغادرته البيت الأبيض، وإصدار قرارات ملزمة، إضافة إلى فرض رسم دخول يتجاوز مليار دولار على الدول الراغبة في العضوية الدائمة. نحن، عملياً، أمام هيئة مصمَّمة على مقاس شخصٍ واحد، كما لو كان الأمر يتعلق بنادٍ خاص، نادي أوليغارشية دولية لحكم العالم، يشبه نادي مارالاغو لصاحبه ترامب في ولاية فلوريدا الأميركية!
أما هيكلة المجلس وتركيبته فهي تزيد من تعميق أزمة شرعيته، فالأعضاء الذين اختيروا للانضمام إليه ينتمون في معظمهم إلى دول غير ديمقراطية، أو أنظمة سلطوية لا تتقاسم قيماً قانونية أو سياسية مشتركة. أما طريقة الحصول على العضوية، فبعيدة كل البعد عن أي منطق ديمقراطي أو تمثيلي، إذ تقوم على المال والولاء السياسي، بل الشخصي للرئيس. ويزداد المشهد قتامة حين نعلم أن المجلس يضم أصدقاء الرئيس وصهره وكبار موظفي إدارته، إلى جانب شخصيات مثيرة للجدل أخلاقياً وسياسياً،
ارسال الخبر الى: