ميلي وتجربة الاقتصاد الأرجنتيني بين التفويض والمخاطر
51 مشاهدة
تواجه الأرجنتين اليوم مرحلة حاسمة في تاريخها الاقتصادي والسياسي إذ يحاول الرئيس اليميني الشعبوي خافيير ميلي إعادة رسم ملامح اقتصاد البلاد المنهك عبر برنامج إصلاحي جذري ويسعى لإعادة هيكلة اقتصاد بلاده جذريا عبر خصخصة الدولة وتخفيض الضرائب وتحرير سوق العمل وفتح سوق العملات بهدف تحويل البلاد إلى اقتصاد سوق حر رغم المخاطر الاجتماعية الهائلة ويلقب ميلي نفسه بـالأناركي الرأسمالي مصرأ على أن التجارب السابقة للبلاد مع دولة الرفاهية والفوضى الاقتصادية لم تثمر ويستند في نهجه إلى تجارب شخصيات عالمية مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب معتبرا أن التفويض الشعبي الذي حصل عليه مؤخرا يخوله مواصلة سياساته الجذرية بما في ذلك الخصخصة وتخفيض الضرائب وتقليص دور الدولة بعد حصوله على نحو 41 من الأصوات في انتخابات التجديد النصفي أواخر أكتوبر تشرين الأول الماضي بدا وكأن ميلي تلقى دعما كافيا لإجراءات جريئة لكن الفوز جاء محاطا بهدوء غير معتاد فقد أوقف المخاوف المؤقتة من انهيار العملة المحلية البيزو ولكنه في الوقت ذاته فتح نقاشا واسعا حول ما تحمله المرحلة المقبلة فالاقتصاد الأرجنتيني يعاني منذ سنواتnbsp ركودا مستمرا إذ تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بحدة وسط تضخم تجاوز 200 في 2023 وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى وجود عوائق هيكلية استثمارية وتوظيفية كبيرة تواجه البلاد حتى مع دخول الإصلاحات إنجازات مع وقف التنفيذ رغم ذلك تحققت بعض الإنجازات الملحوظة ففي 2024 سجلت الأرجنتين أول فائض مالي منذ أكثر من عقدين بنحو 1 8 من الناتج المحلي الإجمالي كما تم توقيع صفقة قرض بقيمة نحو 20 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي لدعم الإصلاحات وخفض القيود على العملة هذا التقدم المالي جاء متزامنا مع إجراءات رفع القيود على السوق النقدي وفتح سوق العملات الأجنبية مما ساعد على استقرار نسبي للبيزو وتعزيز الثقة لدى بعض المستثمرين لكن المكاسب الاقتصادية جاءت بتكاليف اجتماعية عالية وبحسب مرصد الديون الاجتماعية التابع لجامعة أميركا الوسطى فإن معدل الفقر ارتفع إلى نحو 50 بحلول منتصف 2024 فيما ظلت احتياطيات النقد الأجنبي ضعيفة واستمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر بوتيرة أبطأ من المطلوب ما يعكس هشاشة الأساس الاقتصادي لأي إصلاح جذري مختبر الليبرالية المتوحشة خطط ميلي الاقتصادية التي تشمل تحرير سوق العمل وخصخصة القطاعات العامة وخفض الإنفاق العام تواجه مقاومة شعبية واسعة في بلد يعاني الهجرة الداخلية والتضخم المرتفع والديون الضخمة ويشير الخبراء إلى أن نموذج الصدمة الاقتصادية قد يؤدي إلى احتجاجات اجتماعية إذا لم تترجم الإصلاحات إلى نتائج ملموسة للمواطنين بهذا المعنى أصبحت السياسات الاقتصادية ساحة صراع بين جناح يؤمن بالإصلاح الليبرالي الجذري وآخر يخشى أن تتحول الأرجنتين إلى مختبر تجارب اقتصادي على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة فالأرقام الاقتصادية الكبرى تظهر مدى التحديات التي تواجه البلاد فحسب منصة ستاتيستا منصة عالمية للبيانات وذكاء الأعمال فالناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 449 مليار دولار في 2019 قبل أن يتراجع إلى 389 مليار دولار في 2020 بسبب الركود العالمي وجائحة كورونا ثم تعافى الاقتصاد جزئيا في 2021 ليصل إلى 445 مليار دولار ثم شهد نموا أكبر عامي 2022 و2023 ليبلغ 610 مليارات دولار مع توقعات تصل إلى نحو 660 مليار دولار في 2025 ورغم هذه المؤشرات فإن النمو كان متقلبا بشكل كبير مع انكماش بنسبة 9 9 في 2020 وتعاف بنسبة 10 في 2021 وانكماش مرة أخرى بنسبة 1 7 في 2024 ونمو متوقع 5 في 2025 ولا يزال التضخم يمثل تحديا أكبر إذ تجاوز 50 عام 2021 وبلغ مستويات قياسية تجاوزت 200 في 2023 مع توقع تراجع نسبي إلى نحو 120 في 2025 لكنه يبقى مرتفعا للغاية مقارنة بالمعايير العالمية ولم تكن الأسواق العمالية في منأى عن الأزمات فقد ارتفعت البطالة إلى 11 7 في 2020 بعد أن كانت 10 6 في 2019 قبل أن تتحسن تدريجيا لتصل إلى 7 5 في 2025 أما الدين العام فقد ارتفع تدريجيا من 88 من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى نحو 115 متوقعا عند بعض الاقتصاديين في 2025 في حين تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي من 44 مليار دولار إلى نحو 33 مليار دولار خلال نفس الفترة ما يضع ضغطا شديدا على استقرار البيزو الذي فقد الكثير من قيمته مقابل الدولار من نحو 60 بيزو عام 2019 إلى نحو 230 بيزو متوقعا في 2025 ماذا يريد ميلي يريد ميلي إعادة تشكيل اقتصاد الأرجنتين جذريا على النمط الليبرالي الرأسمالي وذلك من خلال خصخصة قطاعات الدولة وتقليص دور الحكومة في الاقتصاد وخفض الضرائب وتقليص الإنفاق العام بما في ذلك برامج دولة الرفاه وتحرير سوق العمل وإلغاء بعض القيود التنظيمية على الشركات وفتح سوق العملات الأجنبية ورفع القيود على حركة رأس المال وتحقيق استقرار مالي نسبي عبر السيطرة على العجز وإبرام اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي لجذب الدعم الخارجي وهدفه النهائي كما يراه هو هو تحويل الأرجنتين إلى اقتصاد سوق حر يعتمد على القطاع الخاص للنمو لكنه يقوم بذلك وسط مخاطر اجتماعية كبيرة مثل الفقر المرتفع التضخم الهائل والدين العام المتصاعد يريد ميلي إعادة تشكيل اقتصاد الأرجنتين جذريا على النمط الليبرالي الرأسمالي ورغم أن الفائض المالي وتحسن بعض مؤشرات التضخم يمنحان ميلي ورقة إنجاز إلا أن السؤال الأكبر يبقى هل يمكن تحويل التفويض الانتخابي إلى تنمية شاملة دون تحميل المواطنين كلفة باهظة وإذا فشل فقد يكون الهدوء الحالي مجرد ما قبل العاصفة السياسية والاجتماعية وحتى مع الدعم الخارجي من واشنطن وصندوق النقد عبر حزمة تمويلية بقيمة 20 مليار دولار ما زالت الاستثمارات الأجنبية مترددة في دخول السوق بسبب اضطراب المشهد السياسي الداخلي وسمعة ميلي الجدلية في المحافل الدولية خاصة بعد تصريحات إعلامية مثيرة للجدل ضد خصومه في البرلمان والذين وصفهم بـالجرذان إلا أن للرئيس أنصاره ممن يرون أن سياساته بدأت تؤتي ثمارها استقرار نسبي لسعر صرف البيزو انخفاض العجز في الموازنة وتوقع نمو محتمل بنحو 5 في 2025 إذا ما استمر استقرار الأسعار وتحسن مناخ الاستثمار ومع ذلك يبقى السؤال الأعمق إلى متى يمكن للأرجنتينيين تحمل كلفة هذا الانضباط المالي ففي الوقت الذي يصف فيه ميلي سياساته بـطريق الحرية الاقتصادية يراها معارضوه ليبرالية بلا رحمة تثقل كاهل المواطن العادي وتفتح الباب أمام موجة جديدة من الفقر