ميكروفون الدعاة
تزايدت أخيراً في دمشق ظاهرة النشاط الدعوي الراجل على الأقدام، أو باستخدام السيارات وتقنيات مكبرات الصوت. نشاط دعوي يقوم به، في أغلب الأحيان، شبان ريفيون متدينون من خارج مدينة دمشق.
لم يكن هذا المشهد معزولاً، لم يقتصر على حالة أو حالتين، بل صار يتكرّر كثيراً، وفي أحياء مختلفة من المدينة، حيث يجوب الدعاة الشوارع، يظنون أنهم بهذا يعيدون الناس إلى الله والإسلام والطريق المستقيم.
هذه الظاهرة التي لم تعتد عليها دمشق وأهل دمشق، أتت في سياق سياسي جديد تمثّلَ بسقوط نظام الأسد والبعث، ووصول إدارة ذات توجهات إسلامية إلى الحكم. هذا التغيير السياسي منح فرصة لتيارات دعوية كانت مهمشة، لتظهر فجأة في المجال العام، من دون ضوابط أو حساسية اجتماعية كافية.
ولكن علينا أن نتذكّر أنه وفي مدينة كدمشق، ذات التركيبة الدينية المتنوعة، يُمكن لمثل هذه الممارسات أن تتحوّل من فعل ديني إلى استفزاز اجتماعي، خاصة بعد أن شهدت بعض الأحياء المسيحية، مثل باب توما وغيره منذ نحو شهرين، توترات اجتماعية واضحة إثر عبور هؤلاء الدعاة فيها، حيث شعر بعض السكان بأن الهتاف الدعوي إعلان رمزي لإعادة “أسلمة” الفضاء العام.
ليس من الصعب نقد هذه الظاهرة من داخل المرجعية الإسلامية ذاتها، فالدعوة، كما أرساها النبي محمّد، لم تكن يوماً صاخبة. كانت سرية في بداياتها، ثم علنية، لكنها قائمة على الحوار والموعظة الحسنة، لا على مكبرات الصوت.
الرسول الكريم نفسه لم يجبر أحداً، وكان يجالس المختلفين، ويصغي، ويُقنع. أما اليوم، فإن هذه الدعوة بهذه الطريقة تُفقد الرسالة جوهرها الإيماني، وتحوّل الدين إلى ضجيج بالنسبة للآخرين من غير المسلمين، وربما لبعض المسلمين الذين يشعرون بثقة في دينهم، ولا يعتقدون أنهم بحاجة لمن يأتي من الغرباء ليذكرهم به.
كما أن أحداً لم ينبّه أصحاب هذه المبادرات إلى أنهم يقومون بالدعوة بهذه الطريقة في أحياء مسيحية في مدينة دمشق، وهذا يعني أن أهالي هذه الأحياء قد مرّ عليهم عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد وأبو ذر الغفاري وأبو عبيدة ابن
ارسال الخبر الى: