ميدان التحرير عودة الابن الضال
بعد 15 عامًا من الثورة، و15 عامًا من الخيبة، و15 عامًا من النكسة، ما زال الولد يُصافح الذكريات، يحكّ رأسه، ويفرك عينيه، يستجديها أن تعود، أو أن يعود، يراها ثورةً لا عوار فيها، صافية بلا شوائب، نقية بلا كدر، ويراها خيبةً أن خذلها أو خذلته، فلم تتم، أخذها الغراب وطار، ويراها نكسةً أن حفر بها مقبرته بيديه، حين ثار ليهدم الفساد (أو هكذا تخيّل) ثم هدأ ليبني الأمجاد، ولم يكن يعلم أنه يهدم حلمه ويبني شاهد تُربته، يوم تخيّلها بتلك السذاجة، يُترك ليخلع نظامًا متجذّرًا في الأعماق، من دون أن يخدعه النظام نفسه، فيرمي عن وجهه قناعًا عفا عليه الزمن، ويلبس وجهًا ألعن، ذئبًا، لا تعرف ما وراءه، غير أنّه، على غير العادة، يبدو لطيفًا، والساذج يضيّق عينيه ويقول: لقد ظلمنا الذئاب طويلًا. ويالَحماقة الخراف!
يدور الولد بأنحاء البلد، بحاراتها وحواراتها، بقهاويها وكباريها، بأزقتها التي تصلح لمُطارد يتلفت حوله في الثانية صباحًا، وسجونها التي يتوقّف فيها الولد نفسه عن التلفت، إذ إنّ العفريت الذي كان يخافه طلع له أخيرًا، فليس عليه الخوف بعد اليوم، اكتشفَ لذةً في السجن، مذاقًا خفيًا لا يريد أن يصدّقه، بأنّه يواجه خوفه وجهًا لوجه، وكم هو مُهزّأ هذا الخوف رغم سطوته، وثقل كفه، وغشومية بطشه. يدور الولد بين السجون، يدخل القفص الزجاجي الأيقوني في معهد أمناء الشرطة، محاولًا كتم ضحكته، وهيبة المكان الساقطة في صدره، لأنّ الولد الذي في داخله، رغم اعتقاله منذ 90 يومًا وقتها كان ما زال يهتف: مش ناسيين التحرير يا ولاد....
لا مكان يشبه ميدان التحرير أبدًا، رغم أنّ كلّ ميدان يشبهه
يدور الولد بأنحاء الأرض، يتهجّر، يتغرّب، ينفى، ويُنسى، ولا يَنسى، يحتفظ بالسر نفسه في داخله، بالابن الضال الذي ليس معناه من الضلالة إنما التيه، يفتّش في كلّ مكان عن ميدان، وفي كلّ مدينة عن تحرير صغير، يحاول الركون إليه، لكن لا مكان يشبه التحرير أبدًا، رغم أنّ كلّ ميدان يشبهه، دائرة ووسطها دائرة خضراء أصغر، وصفةٌ حدائقية هندسية ستجدها
ارسال الخبر الى: