ميثاق الدم عهدا لا يقبل البيع

قراءة في سفر التضحيةثمة رجال لا يمرون على الدنيا عابرين، بل يطبعون أقدامهم في تضاريس الأرض لتتحول سيرتهم إلى منارات تلهم الأجيال. هم الذين لم تغرهم بروق المناصب، ولم تستملهم غنائم الدنيا الفانية؛ بل آمنوا بقضيتهم حد الذوبان، فجعلوا من أرواحهم جسراً تعبر عليه أوطانهم نحو ضفاف الكرامة والحرية.
وفي طليعة هؤلاء الميامين، يبرز الشهيد شفيق أحمد مسعد المقرعي، ذلك الفتى الذي أرضعته جبال الأزارق الشامخة ووديان حورة غنية الخصبة قيم الإباء والشموخ. لم يكن شفيق يبحث عن مجدٍ شخصي، بل كان ينتمي لأسرة نضالية معجونة بالتضحية، تبرع معظم رجالها بدمائهم بين شهيد وجريح، فكان ارتقاؤه خطوة حتمية في سجل عائلة لم تتقن يوماً لغة الانحناء.
ليلة الخلاص: المواجهة ببنادق الفقراء
نعيد قراءة التاريخ من دفتر ليلة الخامس والعشرين من مايو 2015، يوم كانت الضالع ترزح تحت وطأة حصار خانق فرضته المليشيات الحوثية، مستندة إلى ثقل عسكري حصين يُدعى موقع الخزان. كان هذا الموقع بمثابة العقدة المستعصية والقلب النابض لمعسكرات العدو، وبقاؤه يعني بقاء الانكسار؛ لذا صمم الثوار على انتزاعه مهما كان الثمن.
ومع حلول المساء، دوت صيحات الحق مستنهضة الهمم، فتحرك الفدائيون بأسلحة شحيحة اشتروها بلقمة عيش عائلاتهم. ببنادق الجرامل القديمة وبضع رصاصات للكلاشنكوف، اصطف الأبطال يتلقون آخر التوجيهات من قائدهم أبي عبد الله (تغمده الله بواسع رحمته).
وفي الخطوط الأمامية، كان الشهيد شفيق المقرعي يتقدم الفدائيين كمن يسير إلى زفافه، حاملاً روحه على كفه، ليقتحم مع رفاقه المتارس الحصينة بصدور عارية دكت كبرياء الغزاة، حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، تاركة وراءها بركاناً من الغضب أحرق تحصينات العدو.
هندسة النصر وفاجعة الشقيق
وعلى المقلب الآخر من المعركة، كان العميد أبو توفيق—شقيق الشهيد ومهندس الملحمة—يدير دفة الاقتحام بقلب من حديد. وقبل أن تنطلق الرصاصة الأولى، ترك العميد وصية عسكرية بليغة لأفراده تعكس ذروة الفداء، حيث قال:
إن سقطتُ شهيداً فلا تلتفتوا إليّ، بل واصلوا الهجوم.. قاتلوا وكأنني ما زلت حياً أتقدمكم!.
ألقى العميد أبو توفيق القنبلة الأولى معلناً بدء
ارسال الخبر الى: