موزارت في دافوس

26 مشاهدة

يمرّ هذه الأيّام 270 عاماً على رحيل فولفغانغ أماديوس موزارت. ويصادف أن تتزامن هذه الذكرى، ببرود سويسريّ محسوب، مع اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. هل هي مصادفة زمنيّة من تلك التي تحبّ الفلسفة فضحَها؟ ربّما. لكنّ المصادفات في الحياة، شأنها شأن المصادفات في الإبداع، لا تكون دائماً بريئة، وغالباً ما تخفي تناغماً غير متوقّع بين ما يبدو متنافراً: عبقرية موسيقيّة تُدفَن في مقبرة جماعيّة ونخبة عالميّة تناقش ثراءها بوصفه ناراً من حقّها أن تأكل العالم.

لو شارك موزارت في دافوس لا بوصفه موسيقاراً، بل بوصفه سؤالاً، لكان سؤالاً جارحاً ومُحرجاً: أين أخفيتم الصمت؟ فهو لم يكن سيّد النغم فقط، بل أيضاً سيّد ما بين الأنغام. ذلك الفراغ الذي سيتحدّث عنه لاحقاً ثيودور أدورنو حين يربط الموسيقى بالقدرة على مقاومة النظام، لأنّها تُبقي فجوة مفتوحة في وجه التماثل القسريّ. أمّا دافوس، فهي قمّة لردم الفجوات: ردم فجوة الفقر بالأرقام، وفجوة العنف بالتقارير، وفجوة الأخلاق بالكلبيّة المتوحشة. ذلك كله بإيقاعٍ ثابتٍ يُشبه أليغرو لا يتوقّف.

يبدو الاحتفال بموزارت في هذا السياق تمريناً في سوء الفهم، أو لعلّه سوء تفاهمٍ مجرّدٌ من مخالبه. موسيقى ناعمة، زئبقيّة، صالحة لأن تكون خلفيّة صوتيّة لعشاء رسميّ. نحتفي بعبقريّته لأنّها خالدة، لكنّنا ننسى أنّه مات مُعدَماً، وأنّ الخلود الذي ننسبه إليه اختراع لاحق، يشبه إعادة تسويق منتج فشل في وقته. كان موزارت فائضاً عن حاجة السوق في عصره. كان فناناً يرفض أن يُختصر في وظيفة. هذا بالضبط ما تخشاه دافوس: العبقريّة غير القابلة للإدراج في جدول الأعمال. ولو استدعينا إيمانويل كانط إلى هذه المائدة، لقال إنّ الجمال عند موزارت غاية بلا غاية، بينما جلّ ما في دافوس غايةٌ خاليةٌ من الجمال. هناك، كلّ فكرة يجب أن تُترجم إلى شعبويّات، وكلّ سياسة إلى صفقات، وكلّ ربح إلى استعراض عضلات. أمّا موسيقى موزارت، فهي غير محتاجة للترجمة. إنّها لا تقول ماذا نفعل بل كيف نكون.

لنتخيّل مشهداً أكثر فجاجة: يُدعى موزارت لتقديم كونسرت بعد خطاب دونالد ترامب. القاعة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح