موت فقير ووجه إيطاليا الآخر
لم يكن عبد الرحيم فقير، المغربي الذي توفي الأحد الماضي خلال توقيفه على يد الشرطة الإيطالية في بولونيا، مجرد اسم جديد في سجل الوفيات المرتبطة بتدخلات أمنية مثيرة للجدل. الرجل البالغ من العمر 42 عاماً، عاش معظم حياته في إيطاليا، وكان يصرخ بلغتها مستغيثاً بسبب وضعه الصحي، فيما كان جسده مثبتاً على الأرض. مشهد أعاد إلى أذهان كثيرين صوراً عالقة في الذاكرة العالمية منذ مقتل الأميركي جورج فلويد في عام 2020، وإن اختلفت الوقائع والسياقات.
قد تنتهي التحقيقات إلى تحديد مسؤوليات فردية أو تبرئة بعض المتورطين، لكن القضية لا تقف عند حدود ملف قضائي. فهي تأتي في سياق سياسي وثقافي تشهده إيطاليا منذ وصول تحالف جورجيا ميلوني إلى السلطة، حيث أصبح خطاب التشدد تجاه الهجرة أكثر حضوراً، وتحولت قضايا الأمن والحدود إلى محور رئيسي في الخطاب السياسي والإعلامي.
في بلد مثل إيطاليا، لا يمكن فصل حادثة كهذه عن المناخ الذي يحيط بها. فعندما تُصوَّر الهجرة باستمرار بوصفها تهديداً، ويُربَط الأجانب بالجريمة والفوضى، يصبح من السهل أن تتسلل هذه الصور النمطية إلى الوعي العام، وأن تؤثر في طريقة التعامل مع من يُنظر إليهم باعتبارهم غرباء، حتى وإن أمضوا معظم حياتهم داخل المجتمع الإيطالي/ الأوروبي.
لا يعني ذلك أن إيطاليا لا تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بالهجرة، أو أن بعض المهاجرين لا يرتكبون جرائم ومخالفات، كما في أي مجتمع. لكن تعميم أفعال أفراد على جماعات كاملة يبرر التمييز، ويجعل الضحية موضع اتهام قبل اتضاح الحقيقة. واللافت أن جانباً من السجال الذي أعقب وفاة فقير انشغل بتبرير ما تعرض له، أو بالبحث عن أخطائه، بدل طرح السؤال الجوهري: هل كان استخدام القوة متناسباً؟ وهل يبرر أي سلوك أن يفقد إنسان حياته وهو تحت سيطرة الشرطة؟
فقوة دولة القانون؛ في أوروبا وأميركا، وفي غيرهما عموماً، لا تُقاس بقدرتها على معاقبة المخالفين فحسب، بل أيضاً بحماية حقوقهم في أثناء تنفيذ القانون. وعندما يتحول خطاب التشدد السياسي إلى مناخ يقلل من قيمة كرامة الإنسان، تصبح الحوادث الفردية
ارسال الخبر الى: