موت سقراط ونجاة أرسطو
في لحظة حاسمة من تاريخ الفكر الانساني تتجلّى الفلسفة لا بكونها تأمّلًا نظريًا مُجرّدًا، بل اختبارًا حيًّا، حين يُدفع الانسان إلى تخوم قراره الأخير. هناك عند الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، بين المبدأ والانحلال، يقف الفيلسوف عاريًا من كلّ شيء إلّا من قناعاته. ومن بين تلك اللحظات التاريخية التي لا تزال أصداؤها تتردّد عبر القرون البعيدة، يبرز التزامان أخلاقيان مُتباينان هما التزام الفيلسوف سقراط الأخلاقي في سجنه في أثينا سنة 399 قبل الميلاد، رافضًا الهرب من السجن رغم إتاحة فرصة الهروب له، مُتمسّكًا بقانون مدينته حتى وهو يُقتاد إلى الموت، مقابل التزام أرسطو الأخلاقي بعد عقود، وفي المدينة نفسها تقريبًا، قرابة سنة 323 قبل الميلاد، بعد أن اختار الرحيل عنها حين لاح له خطر المصير نفسه، مُعلنًا أنّه لا يريد للفلسفة أن تُدان مرّتين.
لم يكن موقف سقراط وليد لحظة زمنية آنية، وإنما كان نتيجة سياق طويل من التفكير في طبيعة العدالة والعلاقة بين الفرد والمدينة. فقد وُجّهت إليه تُهم واضحة في سياق محاكمته، منها إفساد الشباب وعدم الإيمان بآلهة المدينة وإدخال آلهة جديدة. وكانت هذه التهم في ظاهرها ذات طابع ديني وأخلاقي لكنها في عمقها تعكس توتّرًا سياسيًّا حادًا داخل أثينا التي كانت بعد حروب واضطرابات سياسية أكثر حساسية تجاه كلّ خطاب نقدي. لقد كانت الأسئلة السقراطية المُقلقة تُزعزع اليقين السياسي والديني الراسخ في شكل النظام السياسي والاجتماعي آنذاك، وتجعل من التفكير فعلًا مزعجًا ومُحرّضاً، لا مُريحًا.
وبالرغم من صدور الحكم بإعدامه، لم يتعامل سقراط معه بوصفه ظلمًا شخصيًّا فقط، بل اعتبره لحظة اختبار لانسجامه مع ما كان يعلّمه. كان بإمكانه أن يفرّ، وقد عَرض عليه أصدقاؤه ذلك، لكنه اعتبر الهرب خيانة لفكرة العدالة التي دافع عنها طوال حياته، وليس خلاصًا. فالقانون، حتى ولو كان على خطأ، يظلّ في قناعته أساسًا لا يجوز تقويضه بقرار فردي. وإذا سمح لنفسه بكسر هذا الإطار، فإنّه يَهدم، ولو من حيث لا يقصد، الأساس الذي يجعل الحياة الاجتماعية المُشتركة مُمكنة. لذلك اختار أن
ارسال الخبر الى: