مواطن خائف ونخب تدور في دوامة الرعب والاستبداد والحرية
يقول جورج أورويل في روايته 1984: إذا كنت تريد صورة عن المستقبل، فتخيل حذاء يسحق وجها بشرياً إلى الأبد. صورة الاستبداد التي يسعى أورويل إلى التعبير عنها عبر روايته، كأنه يُفكر عوضاً عن مُخيلة المجتمعات المحلية في الربيع العربي، والخائفة من غدها، وعلى مستقبلها.
بعد انتهاء مرحلة ثورات الربيع العربي بسقوط أنظمتها، وآخر قلاع الدكتاتوريات التي شهدت دولها كل التظاهرات والصراعات خلال العقد الأخير، يبقى أبرز الأسئلة هو لماذا يبقى المواطن خائفاً رغم سقوط الاستبداد، وإنهاء سطوة الأفرع الأمنية. وبالتالي، تفصل الفكرة الأكثر رسوخاً في عقل أورويل العلاقة بين سقوط رأس الاستبداد ونهايته، منطلقاً من فكرة أن العنف والاستبداد ليسا مجرد منصب رئاسي، بل يتكونان عبر سلسلة من العلاقات وشبكات التضامن، وصناعة الخوف، وتزيين الصمت، ومسح أيّ بذور للثقة بين المواطنين.
لهذا وانطلاقاً من قاعدة أنه من حق المواطن السؤال والمشاركة والاعتراض، أصعب مهمة للنُخب الباحثة عن الديمقراطية وإدارة التنوع، والتعددية والحوكمة الرشيدة، ليست إعادة بناء مؤسسات جديدة من القاعدة، إنما كيف يُمكن إعادة بناء الإنسان، بعدما نسفت تلك الأنظمة علاقته مع السياسة والمجال العام.
ما ذكر أعلاه يُمكن ربطه بما ذهبت إليه حنه أرندت حين ترى أن مساعي الأنظمة التوتاليتارية ليس تنظيم المواطنين وتثقيفهم، وتعريفهم بحقوقهم، بل تصر على تجميع الجماهير وقيادتها عبر خطب شعبوية. وبالتالي، وجود المواطن المستقل مشكلة للاستبداد؛ فهو يطالب بحصته في السيادة، ويرفض أن يكون خادماً للسلطة، مقابل أن الكتلة البشرية الصماء يُمكن التحكم بها بسهولة، لا تُعارض ولا تتسبب بالتوترات. لهذا من الصعب أن يتغير مستقبل الشعب السوري مع سقوط نظامه الدموي، قبل أن يتغير الإنسان السوري نفسه الذي عاش ظلم تلك الأنظمة. لأن رأس النظام البائد وأجهزته الأمنية والقمعية، وهي تُغادر السلطة والحكومة، تركت خلفها لغة خاصة للخوف، وخلقت ذاكرة بحمولة ضخمة من الشك والريبة بين المكونات، والأكثر سوءاً أنه خلق مجتمعاً مقتنعاً ومصراً على أن أقصر طريق للأمن والسلامة هو الصمت.
واحدة من أعقد المشكلات والأزمات التي لا تنتبه أو لا تهتم
ارسال الخبر الى: