اختتم مهرجان SONARA LAND OF SOUND أو سونارا أرض الصوت فعالياته التي انطلقت مساء الجمعة الماضية في فضاء حدائق إيسيل بمدينة مراكش بالمغرب على امتداد ليلتين متتاليتين عاش الجمهور مع عروض متقدمة للموسيقى الإلكترونية بمختلف تجلياتها من التكنو التجريبي إلى الإيقاعات الميلودية ضمن تجربة سمعية وبصرية تنفتح على الصحراء باعتبارها عنصرا مكملا للعرض الذي جمع بين طابع احتفالي وبعد تأملي تفرضه الرمزية الروحية للصحراء سعى المهرجان إلى تثبيت موقع المغرب وجهة راسخة في المشهد الموسيقي الإلكتروني المتصاعد عالميا وذلك من خلال الانغماس التقني والرمزية الروحية للصحراء جاء اختيار مدينة مراكش العريقة بهدف دمج الأصالة المغربية في تيارات فنية حداثية من مختلف أنحاء العالم يتبنى سونارا فلسفة الاندماج الثقافي بسبب قدرته على الجمع بين أنماط موسيقية تبدو متباعدة مثل الجاز الإسباني والفولك الجنوب أفريقي والموسيقى الإيطالية التقليدية على منصة واحدة هذه التركيبة الفريدة مثلت دعوة مفتوحة إلى الحوار الفني غير اللفظي إذ تتفاعل الإيقاعات والألحان لتروي قصصها بأصوات فنانين عالميين يحملون إرثا موسيقيا غنيا ويضيف كل منهم لمسته الخاصة التي تثري التجربة الكلية للجمهور وتحول الحفل إلى رحلة عبر القارات ورغم أن الأسماء المشاركة تنتمي في معظمها إلى المشهد الأوروبي يمنحها انطلاق هذه الموسيقى في مراكش دلالة إضافية فالإيقاعات الإلكترونية التي تبنى على التكرار والتصاعد تجد صدى غير مباشر في التقاليد الصوتية المغربية سواء في حلقات الذكر الصوفية أو في الإيقاعات الأمازيغية القائمة على الدوران المستمر صحيح أن مهرجان سونارا لا يقدم موسيقى محلية بالمعنى المباشر لكنه يستعير من الفضاء المغربي ما يعيد تأويل تلك الموسيقى لتتجاوز أن تكون فنا عالميا جرى نقله إلى المغرب يسعى المنظمون إلى بناء تجربة جماعية تتجاوز الاستماع الفردي إلى إحساس المشاركة فالتصميم البصري للمكان وأنظمة الإضاءة وتوزيع المساحات كلها مصممة لتشجيع الاندماج الجماعي ليصبح الجمهور نفسه جزءا من العرض يقوم البناء الفني للمهرجان على توزيع متوازن بين ليلتين متتاليتين فيقدم كل يوم خطا صوتيا مختلفا في المزاج والاتجاه في الليلة الأولى يتصدر المشهد الثنائي الإيطالي Agents of Time المعروف بابتكاراته في التكنو اللحني يرافقه الثنائي الفرنسي Abstraal بلمستهما العميقة في الديب هاوس وتتخذ الليلة الثانية طابعا احتفاليا أوسع مع حضور Chris Avantgarde أحد أبرز الأسماء الألمانية في التكنو التجريبي الذي يقدم عرضه الأول في المغرب إلى جانبه يظهر الثنائي Savage SHE بمزيج ديناميكي يجمع الإيقاع الإلكتروني الحاد مع اللمسة الغنائية وصولا إلى iLee الدي جيه والمنتج الموسيقي المعروف بمزجه بين عدة أنماط من الموسيقى الإلكترونية واشتهر بتقديم مجموعات موسيقية حيوية تجمع بين الطاقة العالية والتعبيرات اللحنية المبتكرة ما يجعله خيارا مناسبا لأجواء الختام الاحتفالية التي تميل إلى التصاعد التدريجي تتجلى قوة التنوع الموسيقي للمهرجان في أبرز المشاركين من إسبانيا تحضر كارولينا دارياس التي تعرف بقدرتها الفريدة على مزج عبقرية الجاز بالنبض الحيوي للموسيقى اللاتينية حين تعتلي خشبة المسرح لا تقدم مقطوعات تقليدية فحسب وإنما تصنع تجارب صوتية متكاملة تنسج من خلالها قصصا موسيقية حية صوتها الدافئ والعاطفي إلى جانب أدائها المتقن على البيانو يمنحها حرية التعبير عن مشاعرها بعمق وانسيابية وكأنها تخاطب الجمهور مباشرة بلغة قلبية في عروضها يمكن للمستمع أن يتعرف إلى صدى الفلامنكو الإسباني وتتنقل الحناجر والإيقاعات بين دفء الجنوب الأوروبي وانسيابية البوسا نوفا البرازيلية ما يجعل كل لحظة موسيقية رحلة فريدة بين الأصالة والحداثة من جنوب أفريقيا تأتي أنتونينا أورودوا حاملة معها نغمات قارة بأكملها موسيقاها تتجاوز كونها ألحانا ممتعة لتصبح قصصا متدفقة تنبض بالحياة اليومية وبالفرح والشجن وبالتاريخ والتراث تمتزج أصوات الفولك الجنوب أفريقي مع لمسات السول والأفروبيت لتخلق لوحة موسيقية غنية بالحركة والروح قادرة على ربط الجمهور بمعاناة مجتمعها وأحلامها صوتها العميق والقوي يعكس تراثا غنيا من المقاومة والصمود بينما تتيح موسيقاها لكل مستمع فرصة أن يشاركها رحلة المشاعر الإنسانية المشتركة فتصبح الموسيقى لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وجود أنتونينا في المهرجان يؤكد رؤية سونارا في إبراز الأصوات الأفريقية الأصيلة وكسر الصور النمطية عن الموسيقى القادمة من القارة مع تأكيد أن الموسيقى أداة تواصل جامعة ومن إيطاليا جاءت فرقة ديلاي المهتمة بدمج القديم في الجديد بتناغم وتعيد صياغة الفولك الإيطالي التقليدي بأسلوب معاصر مستخدمة آلات كلاسيكية مثل الأكورديون والكمان لكنها تدمجها بمهارة في الإيقاعات الإلكترونية والغيتار الكهربائي لتخلق تجربة سمعية آسرة ومبتكرة عروضهم تمنح الجمهور شعورا بالارتباط بالماضي الموسيقي الأوروبي مع تجربة جديدة تعكس حيوية اللحظة الراهنة وكأن كل لحن تقليدي يولد من جديد في قالب حديث حضور فرقة ديلاي يعكس جانبا أساسيا من أهداف المهرجان الاحتفاء بالثقافات العريقة مع إعادة تفسيرها بطريقة تواكب العصر وتفتح آفاقا جديدة للخيال الموسيقي يؤكد اجتماع هذه النماذج إرادة المنظمين في تحويل سونارا من مجرد مهرجان موسيقي إلى منصة حية للحوار الثقافي والفني تسعى إلى بناء جسر متين بين الأصوات العالمية والقارئات المحلية بين التجربة الفردية والجماعية وبين الماضي الغني والحاضر المبتكر الجمهور هنا لا يكتفي بالاستماع بل يغمر بتجربة موسيقية متعددة الأبعاد فتتحول النغمات إلى لغة حية تعبر عن التلاقي بين الثقافات وتفتح المجال أمام كل مستمع ليشارك في رحلة اكتشاف مستمرة ولعل فكرة التلاقي والمزج ظهرت بوضوح في عدة تعاونات عفوية أو مخطط لها بين فنانين من خلفيات مختلفة ومنها تبادل عازف الغيتار المغربي أوكس الألحان مع موسيقى الجاز الإسبانية لكارولينا دارياس يجمع المهرجان بين طابع احتفالي وبعد تأملي تفرضه الصحراء يرى منظمو سونارا أن الهوية الصوتية للمهرجان لا تتحدد فقط بجمع أسماء شهيرة وإنما بتوليف الخطوط الموسيقية لتكون سردية متكاملة فمنذ الليلة الأولى يقدم Agents of Time نموذجا لما يمكن تسميته التكنو التأملي موسيقى ذات بناء طويل يركز على التحولات الدقيقة فتتصاعد الطبقات تدريجيا حتى تبلغ ذروة عاطفية هذا النمط لا يراهن على الإثارة المباشرة بل على إدخال المستمع في تجربة حسية تستغرق الوقت والمسافة بما ينسجم تماما مع فضاء الصحراء المفتوح على الطرف الآخر يحمل Abstraal مسحة مختلفة إذ يميل إلى دمج الديب هاوس في الجرأة الإيقاعية مقدما إيقاعات أعمق وأقرب إلى الاستجابة الجسدية ليجد الجمهور نفسه في تمايل مستمر وكأن الصوت هنا ليس دعوة إلى التأمل بل أداة للاندماج الجسدي مع المكان هذا التنوع في البنية الإيقاعية بين Agents of Time وAbstraal منح الليلة الأولى هوية مركبة بين الروحانية الداخلية والحركة الخارجية ما يعكس رؤية المهرجان في الموازنة بين البعد الذهني والبعد الحسي للموسيقى أما الليلة الثانية فتأخذ منحى أكثر جماهيرية فحضور Chris Avantgarde يمثل لحظة فارقة إذ يشتهر بعروضه التي تجمع بين الصرامة التقنية والاندفاع العاطفي موسيقاه غالبا ما تبنى على إيقاعات متوترة ومتدرجة تتخللها انفجارات صوتية تجذب الجمهور إلى لحظات ذروة تتكرر على امتداد العرض وجوده في مراكش ولأول مرة يمنح المهرجان بعدا عالميا مباشرا فيستقطب جمهورا واسعا يتابع هذه التجربة بوصفها علامة فارقة في مسيرة الفنان والمهرجان معا وبهذا الترتيب لا تبدو العروض وكأنها قائمة أسماء متجاورة بل ظهرت أشبه بقطعة موسيقية كبرى مقسمة على ليلتين الأولى رحلة داخلية متأملة في الصحراء والثانية احتفال جماعي يذيب المسافة بين الجمهور والفنان هوية المهرجان إذن تبنى على هذه الجدلية التأمل في مقابل الاحتفال والداخل في مقابل الخارج الإيقاعات الإلكترونية تجد صدى في التقاليد الصوتية المغربية جماهيريا يسعى المهرجان إلى جذب أكثر من فئة جمهور محلي فضولي يرى في الحدث فرصة لاكتشاف نوع موسيقي غير مألوف إلى جانب جمهور مغربي معتاد على حضور الفعاليات الموسيقية العالمية في الدار البيضاء أو العاصمة الرباط إضافة إلى شريحة واسعة من الزوار الأجانب الذين يقصدون المغرب لا للسياحة الترفيهية فقط بل لخوض تجربة ثقافية معاصرة هذا التداخل في تكوين الجمهور يخلق مستويات مختلفة من التلقي فبالنسبة للبعض هو لقاء أول مع الموسيقى الإلكترونية بينما بالنسبة لآخرين هو محطة جديدة في رحلة عالمية مع هذا النوع الفني يكتسب المهرجان موقعا خاصا ضمن خريطة المنطقة ففي شمال أفريقيا والشرق الأوسط تظل المهرجانات الإلكترونية محدودة وغالبا ما تواجه تحديات اجتماعية أو تنظيمية وجود سونارا في المغرب يمنحه ريادة رمزية فهو يقدم نموذجا لحدث يحافظ على الاحترافية ويجذب أسماء عالمية ويبنى على رؤية واضحة بهذا المعنى يتحول المهرجان إلى واجهة ثقافية تضع المغرب ضمن تقويم الموسيقى الإلكترونية العالمي وتمنح المنطقة صوتا جديدا يخرج من أسر التقاليد إلى فضاء التجريب المعاصر